شبكة و منتديات العرب المسافرون

شبكة و منتديات العرب المسافرون (https://www.arabtrvl.com/vb/)
-   بوابة المغرب (https://www.arabtrvl.com/vb/f83.html)
-   -   ضجيج العقل وصوت الأمل وعرسٌ بلقاءِ المغرب اكتمل (https://www.arabtrvl.com/vb/t56779.html)

ساري أحمد 06-04-2026 08:46 AM

ضجيج العقل وصوت الأمل وعرسٌ بلقاءِ المغرب اكتمل
 
ترهقنا الذكرى بأوزارها التي حملناها " عشقاً" وطواعية منا، جاذبية نحو تلك الديار البهية، ألَقٌ يسببُ لك الأَرق حتى تخطو بخطواتك نحو المطار لمعانقة تفاصيلها ومصافحة غيومها وملء رئتك من أوكسجين أجواءها الشتوية والربيعية التي تسحر الألباب وتمزج الخزامى في غياهب اليَباب.
تلك الصورة ليست صورة نمطية أو اعتباطية، بل هي صورة واقعية حقيقية تجعلك تتأمل في إبداع الخالق الواحد الأحد الفرد الصمد.

انتظر
انتظِر
نَعم ما خطبك
أ جريحٌ أنتَ
أم تحتَضِر؟

تم التنسيق لهذهِ الرحلة بوقتٍ مبكر على تزجية شهر رمضان المبارك (النصف الثاني) للعام 1447هـ (2026) في المملكة المغربية الحبيبة لقضاء ما تبقى من الشهر الفضيل في ربوع بلاد المرابطين.
كانت التذاكر الأولى على متن الخطوط القطرية بتاريخ 4-3-2026م مبدئياً.
كل هذا قبل التطورات التي حدثت لاحقاً بشأن الاعتداءات السافرة على بلادنا وأهالينا في الخليج العربي.
قبل السفر تقريباً بأسبوع بلغت القلوب الحناجر بعد الأحداث الجارية ووقع مالم يكن بالحسبان!
الخطوط القطرية تعلن غلق الأجواء، الخطوط القطرية تعتذر، القطرية الجميلة العزيزة صديقتي في الرحلات منذ عام 2007م تناشدنا التريث لحين متابعة الأحوال بالمنطقة.
هنا شعرتُ بمن أوصدت بوجهه أبواب السفر، حيرة و دهشة و غموض يلتف الوضع الحالي، والقلب مسكين لا طاقةَ له بكل هذهِ التبعات.
ماذا بشأن الهدايا؟ ماذا بشأن المبالغ التي أرسلتها لبعض الأمور هناك؟ كيف سأسترد المبالغ الأخرى لملابس العيد التي اعددناها لبناتي الصغار؟
كيف وكيف وألف خنجر وسيف!


تواصلت مع الخطوط القطرية مستفسراً متأملاً متألماً، كطفلٍ سرقت هدية العيد منه، كتائهٍ في وطنه أو كمن استفاق من نومٍ عميق بالكاد يرى يديه ويخشى أن ينظر للمرآة فيصعق...!
تمت إفادتي بأن الأمر خارج عن إرادتهم وبأنه ستتم جدولة الرحلات خلال الأيام القادمة ولي مطلق الحرية بالإلغاء ورفع طلب الاسترداد أو جدولة الرحلة أو حفظها كرصيد لديهم.
ولا أخفي عليكم بأني فقدت الأمل حينها وكنتُ في برودٍ غريب وعدم مبالاة، وبين صراعِ العقل والأمل قالت زوجتي: ما بك؟ قلت لا شيء فالحالُ ابلغُ من المقال! والوضع كما ترين وتسمعين.
قالت: قم لنكمل استعدادات السفر سنحجز على طيران آخر!!

أناملي مبتورة، صمتي مطبق عقلي في صراع ومناوشات داخلية، عاطفية وموجة غضب، بينما الأهل كانوا في برودٍ لذيذ، كحباتِ الرمان فوق بياض الثلج.
في هذهِ الأثناء قمت برفع طلب إلغاء واسترداد المبالغ للتذاكر على الخطوط القطرية ولهم جزيل الشكر على سرعة التجاوب والاحترافية وتمت إفادتي بأنه سيتم حسم فقط مبلغ بسيط لا يتجاوز (50) ريال من قيمة التذاكر.
أما بالنسبة لتذكرة العودة فلقد كانت مجدولة على متن الخطوط السعودية (تذاكر مكافئات) الأميال ورصيد الرحلات، الأمر الذي وفر لي مبالغ طائلة.
استقر الرأي على أن يكون الذهاب على متن الخطوط السعودية من (الدمام – جدة- الدار البيضاء) وذلك بعد الموعد السابق بستةِ أيام (10 – مارس 2026م).
كنا نتابع الرحلات وأوضاع المنطقة وبين الدعوات والأماني تكون قلوبنا في بئرِ لا قاع له والخوف من الإلغاء يزيد الوضع ارتباكاً حتى فوضنا أمرنا لله عز وجل وحسمنا الأمر.

كانت الرحلات المتجهة إلى جدة (من مطار الملك فهد الدولي بالدمام) آخر أسبوع قبل رحلتنا ملغاة بالكامل، وأنا بداخلي أقول: يا لهذا الحظ!
كانت ليلةً ماطرة بغزارة وكأننا في عرس للمطر، ارتفعت المعنويات لأقصى درجة، فهذهِ بشائر خير والدعوات مجابة والأماني محققة.
وصلنا إلى مطار الملك فهد الدولي بالدمام وكانت الإجراءات سلسلة للغاية وسريعة كالمعتاد، امضينا الوقت بين الصور التذكارية مع الأبناء ومراسلة الأحبة وتنسيق جدول الرحلة والتفاصيل الأخرى.
بعد الوصول إلى البوابة الموضحة في لوحة الرحلات نادى منادٍ بأن البوابة تم تغييرها ووصلتني رسالة نصية بأن البوابة تم تغييرها.
حبيبي لا خطيت اعذرني
تعب مني التعب حيرته وحيرني
وخلينا الأمل حيران !

" طلال مداح" رحمه الله.

اللحظات بطيئة، العقل والنبض في صراع والقهوة تجمدت في يدي، هنالك شيء سيحدث !
ذلك ما تمتمت به في خلجات نفسي، أتابع الوضع عن كثب والعينُ على صفحات الأخبار يا لهذا الليل الذي يلفنا بظلامهِ يا لهذا الوقت الذي يفتك بنا ألا نيةَ لديك بأن تنجلِ؟!
تأخرت الرحلة قرابة 45 دقيقة عن الإقلاع، صوت المطارق والمناجل وعقارب الساعة كلها تنخرُ في صدري، سيوف الأسى سُلت في ساحة الانتظار.
أفٍ يا لهذا الوسواس الأليم، وعلى النقيض صوت الأمل يغني ويصدح في ملامح زوجتي والأبناء، الكل يقول
لا تخف ولا تحزن سنصل بإذن الله إلى وجهتنا.

صعدنا إلى الطائرة والأماني حائرة والليالي جائرة هكذا ترددت موجاتها في داخلي، انعكاس الصدى وارتدادات الحنين، الكلُ يقف ضدي ! حظي ! وقتي ! والطائرة، سوداوية مُفرطة.
عقارب الساعة لدغتنا ونحنُ بالطائرة قالوا: تم اعتراض مسيرة قبل قليل وسنقلع الآن بعد أن أعطت الجهات المختصة الموافقة بالإقلاع.
حلقت بنا الطائرة ولكن في مسارٍ آخر، التفت إلى مدينة الهفوف بالأحساء ومن ثم " ابقيق" العينُ ترقب الشاشة دونَ بهجةٍ ولا بشاشة والخوفُ سيد الموقف والرهبة تغذي كل من في الطائرة.
أما أنا فالتفكير أخذني إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، كيف سيكون الوضع حال وصولنا ؟
ماذا عن الزحام؟ ماذا عن ضيق الوقت فمدة الانتظار في المطار أقل من ساعتين، كل تلك الحسابات زادتني هماً على هم وكمد على كمد.
في نهاية المطاف فوضت أمري لله وغفيتُ قليلاً.

لاجئ سياحي 06-04-2026 11:22 AM

الممتع والغالي ابو احمد
اذا كان يوسف ادريس أبرز كتاب القصة القصيرة في الأدب العربي وأشهر المجددين في فنونها..فأنت ابرز كاتب يتلاعب بعواطفنا وتركيزنا عن طريق اختيارك لكلمات كل واحده تختصر كتابا كاملا وتأخذنا لنغوص بين حروفها
استمر وكلي شوق للتتمة.
وعساك على القوة

ساري أحمد 06-04-2026 11:30 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لاجئ سياحي (المشاركة 628149)
الممتع والغالي ابو احمد
اذا كان يوسف ادريس أبرز كتاب القصة القصيرة في الأدب العربي وأشهر المجددين في فنونها..فأنت ابرز كاتب يتلاعب بعواطفنا وتركيزنا عن طريق اختيارك لكلمات كل واحده تختصر كتابا كاملا وتأخذنا لنغوص بين حروفها
استمر وكلي شوق للتتمة.
وعساك على القوة


لاجئ !
أين أنا من عذوبتك
بين الملاجئ !
أنت الوطن يا شقيقي
أنت بالقلب رفيقي..
حضورك عذب
غيابك مفاجئ..
لا وصف إلا بحضورك يكتمل
و الشمسُ تنطفئ بدونك
تندمل..


دمت بخيرٍ وصحةٍ وسعادة.

ساري أحمد 06-04-2026 11:31 AM

صوت الطيار أصبح في تلك اللحظة كصوت قيثارة الشرق كصوتِ الأرض "طلال مداح" رحمه الله

نعتذر عن التأخير الخارج عن إرادتنا نظراً للتوجيهات الصادرة بهذا الشأن، بسم الله توكلنا على الله.
المسكين لا يعلمُ بأني هناك قد اختلستُ النظر في مطار الملك عبد العزيز الدولي بنظرةٍ استباقية للوضع الذي سنمر به ولسان حالي يقول: لا تعلم أيها المسكين بأننا في طريقنا إلى مطار أكبر ولدينا مواصلة للرحلة وإجراءات إضافية!
من الطبيعي أن تنعكس التوقعات التي أعمت بصيرتي على معدلات الصبر لدينا بعد وصولنا إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي، لكن الواقع يجعلك تتعلم بأن الحقيقة طعمها لذيذٌ في النهاية مهما حصل فتلك إرادة الله عز وجل، فهو عالم الغيوب والخيرُ دائماً فيما يختارهُ الله.
بعد أن وصلنا المطار توجهت مباشرة إلى لوحة الرحلات المغادرة لمعرفة بوابة الإقلاع إلى الدار البيضاء وبالرغم من متابعتي للتحديثات للرحلات في الموقع الالكتروني للمطار إلا أن النظر إلى لوحة الرحلات بها متعة وشيء من جنون.
الرحلة كانت مجدولة بالتوقيت المحلي (8:25) صباحاً (كانت رحلتنا من الدمام الفجر الساعة 4) ومدة الرحلة ساعتين وعشر دقائق إلى جدة، فالوقت الذي خسرناه بسبب التأخر في الإقلاع كان قرابة (45) دقيقة.
وكانَ لزاماً علينا أن نتجه إلى الصالة “T1” والبوابة المعلنة كانت آخر بوابة في تلك الجهة، الأمر الذي زاد من حدةِ اليأس بداخلي.
ولما بلغنا التفتيش الأمني " الجمارك"، وجدت الزحام العجيب والتكدس بين المسافرين في ظل عدم تحرك سير الأمتعة وبرودة الموظفين والانتظار الطويل.
صدمة تلو الأخرى صفعة تلي أختها، اشاهدُ زوجتي والأبناء وابتسم لهم لتخفيف وطأة التعب وعلامات السهر على ملامحهم، وفي تلك اللحظة أعلن بالمذياع الداخلي تقديم الرحلة إلى الساعة (7:55) دقيقة!
على السادة المسافرين إلى الدار البيضاء التوجه إلى البوابة (A43D)، هذا النداء الأخير للسادة الركاب المسافرين إلى الدار البيضاء.

(لا قلت باكر صار أمس.. وتمر بي شمسٍ وشمس)



حينما رأيتُ سير الأمتعة لا يتحرك، أشرتُ إلى الموظفين بالبوابة بأن الوضع يحتاج إلى السرعة، الموظف كانت الابتسامة على محياه بينما الموظفة كانت تنظر إلى وكأني طليقها الذي استولى على ذهبها وأموالها وعقاراتها!
قال لي ضاحكاً: الكل سيسافر لا تخف ولا تبتئس يا عزيزي، إلى أين وجهتك؟ قلت: الدار البيضاء!
أشار إلى بيده أن اقترب، فلما اقتربت منه همس قائلاً (خذ عائلتك واتجه إلى المسار الأخير، ولا تنس أن تزور الرباط وتسلم عليها وعلى من فيها)! عدني يا صديقي فوعد الحر دين!
هُنا تبددت كل الهموم وجحافل الخوف انهزمت وانسحبت، أعلنت النصر وما التوفيق إلا من عند الله
هيا يا عائلتي الجميلة إلى ذلك المسار.
قالت ابنتي مريم: البوابة ستغلق بعد خمس دقائق! قلت وما يدريك يا بُنيتي؟ قالت هكذا وجدت الاشعار في تطبيق الخطوط السعودية، لا عليك يا مريم دعي عنك الوسواس " شف من ينصح "
لما وصلنا إلى البوابة فإذا بقوافل المسافرين إلى الدار البيضاء يظهرون كأنهم أجنحة أو مجاديف تبحر بنا إلى الأمل، هنا وضعت راية السكون والارتياح وكأني على قمة جبل إيفرست!
الآن من أرادَ مني شيئاً فليطلبه فإني ملبي طلباتكم جميعاً (سبحان الله وأنا الذي كنتُ قبل قليل لو خاطبني أحدهم لشققتُ أرضه ورميته في قعرها)!
اخرجتُ عطري وقلبي معه، داعبت قطرات العرق جبيني فرحتُ أضمخُ كفي برشةٍ خفيفة درءاً للتعب وتنشيطاً للبهجة.
أمامي قرابة الـ(50) مسافر، لا بأس إنها آخر جولة في معركة السفر، صعدنا إلى الطائرة وباتجاه المقاعد المخصصة لنا وبحكم كوننا عائلة فالاختيار يكون محدداً، وتلبية لرغبات الأطفال فإن أفضل مقعد لديهم بجوار النافذة.
تفحصت بطاقة الصعود فإذا بمسافر يحتلُ مقعدي والآخر في مقعد ابني، لم أخاطبهم واتجهت إلى المضيفة لأشرح لها الوضع، الأول نظر إلى بطاقته فقام من مكانه معتذراً، أما الآخر فأخذ ينظر إلى بغرابة وعدم مبالاة.
قلت له: سيدي الكريم إن هذا المقعد مخصصٌ لي فأجابني: وهل هنالك فرق!
قلت نعم يوجد فروقات وليس فرقاً واحداً فبعد العناء الذي عانيته والتعب فأكبر جائزة لي هي هذا المقعد.
قال: الدنيا رمضان واللهم إني صائم!
قدم المضيف مشكوراً وأوضح له الصورة فأجاب: هذا مقعدي حجزته مسبقاً بالقيمة كذا وكذا ولن أتزحزح قيد أُنملة عنه!
في داخلي رجلٌ يقول كما نقول" اغسل شراعه" لكن صوت العقل وهمسات الأهل: دعهُ وشأنه المهم أننا بخير والطائرة ستقلع الآن..!
حسناً لا بأس، اجلستُ ابني في الوسط وأنا بجوار الممر وتجاوزت الغضب المكتوم والإرهاق وكافة تفاصيل ما قبل السفر.
الصور ستأتي لاحقاً إن شاء الله ويعلم الله بأني آثرت الكتابة والبوح نظراً لتآكل الأحرف في مخيلتي لحين اعداد الصور وسرد الأحداث.
بعد ان استقرت الطائرة بين جنبات الغيوم وارتفعت معدلات السعادة وهرمونات الجُنون، قدموا لنا وجبات غداء وبحكم السفر ورخصة الفِطر فالبعض افطر والغالبية لم تأكل.
بجواري على اليمين " وسط الطائرة" رجل كبير بالسن يقاوم الجوع والعطش والمسكين وضع نظارته على عينه كي لا يرى الأطفال وهم يتناولون وجبتهم، ابتسمت وارتسمت على محياي تلك النظرة، وهمس بداخلي صوت: أحقاً البعض ينظر إلى من يفطر في رمضان ولو كان على سفرٍ بـأنه أقدم على كبيرة من الكبائر!

كان هنالك العديد من وسائل الترفيه المقدمة من قبل الخطوط السعودية علاوةً على بعض الألعاب والقرآن الكريم وأشياء لا باس بها.
أما أنا والنوم فلا صداقة بيننا على متن الطائرة، وتظل عيني ترقب الوضع مع الأطفال وأمهم في حال احتياجهم لأي شيء، إلى حين نومهم على أقل تقدير فإني أبقى على أهبة الاستعداد كمن يحرس الثغور ولا تذوق عينه ولا تطعم بالنعاس.
بعد اقترابناً من الأجواء المغربية قدموا وجبة خفيفة عبارة عن قطعة بيتزا " رأيت البعض يقاوم العجينة ويصارعها لينال قضمة" أو يخفف من عناء الجوع فالوضع ليس بالهين فهي رحلة طويلة.
استعداداً للهبوط وتعليمات النزول ومواويل المذياع والإجراءات الدائمة كلها تطربني وتسعدني، كيف لا ونحنُ على عتبةٍ واحدة لعناق أرض الأطلسي وجبال الأطلس.
كنت أخشى أن يتأخر العفش أو يكون المطار مزدحماً لكن لا مشكلة لدينا، فالسيارة جاهزة ومنزلنا ليس ببعيد عن المطار حتى لو نزلنا متأخرين من الطائرة.
وهذا إجراء اعتدناه بأن نبقى جالسين لحين نزول كل الركاب على أقل تقدير ومن ثم متابعة المسير إلى صالة المطار.




ما دام معاي القمر مالي ومال النجوم
مالي ومال السهر مالي ومال الهموم..

استيقظ الأبناء بشق الأنفس ولا غرو، فالتعب أخذ منهم ما أخذ ومحدثكم بين العذابات والآهات والزفرات، أريد معانقة الدار البيضاء أريد أن انعم بالهواء النقي ولا مكانَ للكسول هنا ولا الشقي.
لتأخذوا تعبنا واعطونا من الراحةِ ما بقي، وأمطروا واستمطروا ما شئتم فنحنُ من أمطار الانتظار بمظلات العناق نتّقِ.
كعادة الخطوط السعودية حينما تصل إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء فإنها تفرشُ لنا جسر المسافرين وتكفينا شر الحافلات ووعثاء السفر بخاتمةٍ جميلة.
أجمل دفعة هواء نقي واوكسجين يحي القلب هي تلك النفحات التي تلجُ من بين الفتحات بالجسر، وتلك البرودة المنعشة التي تغذي جسمي وعقلي بما احتاجه من عاطفةٍ ومشاعر وأحاسيس وإلهام أيضاً لقضاء أجمل الأيام في المملكة المغربية.
دخلنا إلى صالة المطار للجوازات، فإذا بالصالة ممتلئة نسبياً بالمسافرين وثلاثة أرباعهم من أهل البلد ونحنُ نعتبر قلة في هذا الوقت.
قدم أحد الموظفين حينما رآنا عائلة بالإضافة إلى وجود طفلة على عربة أطفال ففتح لنا مساراً مخصصاً للعبور السريع دون تحمل أي رسوم.
جزاهُ الله خيراً عنا هذا النبيل، أتراهُ حقاً رأى على ملامحنا الإعياء وأدرك تعب المسافات وطول الوقت، أم تراهُ رآنا غرقى في دياجير الحنين!
لا أعلم لكنه تدبير العلي الحكيم.
وصلنا إلى نافذة الجوازات وقدمناه له، لم يطل الأسئلة ولم يحاورنا كثيراً، وبارك لنا الشهر " عواشركم مبروكة" وع سلامتكم ومرحبا بيكم، نهار كبير هاد.
يا لهذهِ الكلمات!
تصرعك من أول جولة في حلبة المغرب الجميل، تبقيك في سكرةٍ عاطفية تراجيدية، ابتسامة عريضة وألف شُكر لك أيها الشهم.
سابقاً كان يوجد موظف يفحص الجوازات بعد انتهاء إجراءات ختمها في النافذة، لكني لم أجد احداً يفحص الجواز وأكملنا المسير إلى استلام الأمتعة.
غالباً ما يكون التأخير سيد الموقف، هكذا رسم لي العقل الباطن، فهي عادة متأصلة لديهم هنا بالمطار.
لكن خاب ظني وكان استلام الأمتعة سريعاً للغاية في وقت قياسي لم يتجاوز 5 دقائق!
سبحان الله !
مطاراتنا كانت عابسة وهنا المطار بشوش فرح مرح يعالجك ويدفئ جسمك المحموم اشتياقاً، هل هي معادلة أم تحيزٌ للمغرب؟ أم هو الهذيان؟ أعوذ بالله من الشيطان...!

نظراً للانزلاق الغضروفي الذي أمرُ به مؤخراً فإني كلفتُ أحد الموظفين بدفع عربات الأمتعة إلى بوابة الجمارك واكتفيتُ بحمل الأشياء الخفيفة، لم يطلب الموظف سوى "100" درهم وهو مبلغ اعتبره بسيطاً للغاية كونه يحمل "10" قطع مقسمة على أكثر من عربة.
قلت له: تجاوز الجمارك وسأزيدك "100" أخرى، ابتسم قائلاً: واش ما عقلتي عليا ؟
" ألم تتذكرني" قلت: بلى اذكرك من آخر رحلة والآن عرفتك أكثر بعد أن كسرت الصمت بسؤالك.
تجاوزنا الجمارك بعد أن أمروا حامل الأمتعة بأن ينزل جزءاً منها للفحص كإجراء اعتيادي روتيني.

انظرُ إلى الباب كالمجنون، كالطفل بل كالطير وسط القفص يرغب بالهروب ومعانقة السماء وتقبيل الأرض
كأن الهواء بالخارج رغيف وأنا الجائع الذي لا يعرف بأي طرفٍ من الرغيف يبدأ.
وخشيتُ الغصة وخشيت الغرق
فمشيت كالجريح
وغلبني الأرَق..

ابنائي يسابقوني إلى الباب، إنها العدوى العاطفية والعشق المُباح والسحر الحلال، قالت أم ريان " من شابه أباه ما ظلم".
دعيهم يا عزيزتي فحب الأوطانِ من الإيمان.

ساري أحمد 06-04-2026 01:26 PM

"سيدنا رمضان"
هكذا تخرجُ الجملة من أفواهِ المغاربة خصوصاً كبار السن حفظهم الله، فلهذا الشهر قدسية وقيمة كبيرة لدى أهل المغرب الحبيب والكل يسعد ويفرح بهذا الشهر الكريم كحال كل الشعوب الإسلامية في الأرض.
كانت الأجواء ماطرة والسماء في أجمل حللها، بهيةٌ نقية ندية، تحلمنا إلى حبٍ كالأبدية، لحظات جميلة تمر سريعة على خشبة مسرح الواقع.
نظراً لكثرة الأمتعة لدينا فكان لزاماً علينا طلب سيارة أخرى، وكان التنسيق مسبقاً مع الأهل بالمملكة المغربية لإحضار مركبتهم الخاصة (كان التنسيقُ ينص على عدم إخبار كبار السن بقدومنا) وجعلها مفاجئة لهم، ومع تزايد الأوضاع بالمنطقة فإن الخوف استشرى في نفوس الأهل هنا وبين أخبار وإشاعات تصلهم فاصبحُ الوضع لديهم أشبه بحلقةٍ مفرغة يتخبطون وسطها، لدرجة بلغت بأنهم لو هاتفونا ولم نجب على اتصالهم بالحال اصبحُ لديهم الوضع متأزماً.
الطريقُ إلى المنزل كسته الزهور الربيعية، ما بين خزامى ونفل وبابونج، وتلك النسمات الأطلسية والمطر
كلها تجعلك تعقد لسانك وتتأمل، كمن خرج لتوه من الزنزانة ولا يرى غير الحائط والظلام، أصبح الآن يمتع ناظره بما لذ وطاب وما حضر وما غاب.
الشريطُ يريد أن ينتهي طوال المسار، والزحام أمامنا، أهلاً بكم في الدار البيضاء (لماذا يا محمد لم تلج المسار الأيمن المتجه إلى منزلنا)؟!
إنه الكرم المغربي يا سادة، توجه بنا إلى منزلهم مباشرة وبرغم الاتفاق على عدم إخبار الأهل إلا أنه كسر البروتوكول المعد سلفاً، وهذا ابسط حقوقه.
الأجواء باردة جداً مقارنة بالشرق الأوسط، حيث كانت درجة الحرارة 10 درجات مئوية والساعة كانت تشير إلى الواحدة ظهراً بتوقيت الدار البيضاء.
كان بالطريق حادث شاحنة انقلبت مما أدى إلى تغيير المسار الأخير قبل بلوغ نقطة وصولنا، تحديداً إلى حي ليساسفة"3"، الأمر وارد ومتوقع فالبشر في هذا الطريق تتكدس كما يتكدس الورق في رفوف بعض الكسالى.
شددتُ من أغلال الأناقة قليلاً وضبطت قيود العشق، فأنا هنا أساقُ على معشوقتي كالسجين الاختياري ليست المسألة عبودية بل هي حُرية على طريقة السقوط للأعلى!
بل الهروب إلى الأمام، لا مفر من المعشوقة لا مَفَر
فريح الحنين لا تبقِ ولا تذر..
فمن كان عاشقاً ولم يكن آبقاً
على ملةِ المجانين
فليستقر...!
نشيخُ والمغرب بداخلنا لا يشيخ، تتصدع أفكارنا وتذبل أحرفنا لكن المغرب يتجدد، يتوسع ثم يتمدد كأمل الشفاء بداخل السقيم يتجدد.
الناس في هذا الحي " ليساسفة" أفواج وأمواج، وبالرغم من أنه شهر رمضان المبارك إلا أن الحركة فيه مستمرة ودائمة كخلية نحل.
في مدخل الحي هنالك "إشارةً" كالمومياء وضعت فقط كمزهرية شمطاء في زاوية صالةٍ شابة!
وبينها وبين الشارع المفصلي قرابة العشرة أمتار، في منحنى خطير لا يمكنك تجاوزه إلا بعد أن تتأكد تماماً من خلو الشارع الرئيسي والشارع الفرعي من كل شيء.
نعم تتأكد من كل شيء، فهنالك سيارة متهورة، وشاحنة تطير كالفراشة! وعربة تجرها الخيول لكن ليست سندريلا على متنها، بل رجلٌ منفعل طائش متهور، والعاقل بينهم تجده يشتمك بأدب!
وإن كنت ذو حظٍ عظيم فسيخرج لك أحد " الخطافة" وتعني " من يحمل الركاب بلا تصريح أو رخصة قيادة" وكما يقال هنا " كداد"!
أما من دعت له والدته بالسلامة من كل سوء فإنه سيتجاوز الطريق الثاني من جهة اليمين ليتلف ويتلف بعد صبرٍ إلى المسار الأيمن البعيد، الركن البعيد الهادئ!
في أول الحي على اليمين هنالك مقهى "زكريا" ذلك المقهى العتيق الرابضُ كصاحب أهلِ الكهف، وعلى الجهة المقابلة له مشاريع جديدة، وهو عبارة عن عمائر سكنية بالإضافة إلى " مستشفى" سيتم تدشينه بعد مضي أكثر من "20" سنة على إغلاق آخر مستشفى كان بالحي، والحمد لله لحق الحي بهذا الإنجاز الاعجازي بعد شراء الأرض من ورثة رجل ملياردير.
في هذا الحي وبالرغم من أنه تجاوز مرحلة الأحياء الشعبية، فهو عبارة عن تركيبة وتوليفة نادرة من البشر، وفوق هذا كله فإنه يشدك ويجعلك تتأمله وتحبه، فالجُرح وإن كان بداخلك فبعد وقتٍ سيبرأ.
وكما قال أبو سامي " عبد الله السالم"
كل جرحٍ لا مضى وقته يطيب.
تجاوزت مقهى زكريا ثم رأيت الطبقة الكادحة من مهندسي السيارات والميكانيكا وبعض المحلات التجارية الصغيرة "حوانيت"، وتلك الصيدلية التي حينما أراها كأني أرى زهرةً في وسط مفازة.
لماذا هذا التهميش الممنهج لحيٍ يعتبر صناعياً وبه العديد من المصانع التي تدر المليارات؟ وتدعم الإنتاج المحلي على كافة الأصعدة.
لديهم هم الجواب ولنا الاستغراب.


اقتربنا من منزل العم " محمد" والنبضُ كنبضِ الغرقى فمنهم من يغرق ومنهم من يرقى، والميناء قريب والشمس هنا لا تغيب، يشيب رأسي والمغرب لا يشيب...!
بغرور وزهوٌ وخُيلاء نمخرُ عباب صمتنا ببعض أبياتِ الشعر وبعض الترانيم، طلاسم هي تلك الأحرف حال لقاء الأحبة، يضيع الكلام وتضطرب الأفئدة وشوقٌ يصطرخُ بقلبي حاولت أن أبعده.
بجوار المدرسة منزل الحاج محمد، الكلُ يلقي التحية فصاحبهم قدم وصديقهم جاء والخليجي حَضر فليساسفة خضراء وكلها نضر.
ما إن نزلت قدمي من المركبة حتى شعرتُ بزلزال الحب يكاد يلتهمني، المشاعر تدفعني تخاطبني: انزل عانق الأرض قبل السماء، داعب الهواء ما خطبك ما هذهِ البرودة؟
ما كل هذا التعب؟ صاحبكم قضى يومه ساهراً ولم يهنئ له بال، دعوه قليلاً يرمي بهمومه التي تثقل المنطاد
فلو رميت أثقال منطادي كلها بنفس اللحظة لمتنا من ألمٍ وكَمد.
خرج لنا الحاج محمد (كاميرا المراقبة رأيتها معلقة على حائط المنزل) آهٍ يا التكنولوجيا افتضحتِ أمرنا ومخططنا.
دهشةٌ مزجت بالحنين، صمت مضمخٌ بالمحبة وشيء من عتاب، الحقائب المسكينة تكاد أن تنفجر فلقد طال بها الانتظار وهي حبيسة المطارات والمسارات.
تثاقلت في خطواتي قليلاً كي اعطي المجال لأبنائي وزوجتي للسلام ومعانقة أهاليهم بالداخل وذلك لحاجةٍ في نفسي.
دخلنا إلى المنزل العامر بارك الله لهم، كان ضرباً من صروح الخيال، الزوايا بها إضاءات رمضانية وفوانيس وكتابات وأدعية وأذكار، الضوء يتراقصُ في عيني لكني لم أستطع مجابهة الضوء الخافت المتدافع في حرم عدسة العين، فمحرابُ مقلتي لا يسع إلا أدمعي.
تفاصيل رمضانية جميلة بسيطة لكنها سرمدية في تلك اللحظة، رائحة الطبخ وعبق المأكولات تفوح كما يفوح الهيل من قهوتنا، لا تزال الإضاءة الخافتة تصرعني لكني في عيدٍ للشوق وحفلٍ للمحبة.
جلسنا على الأريكة، امتطينا خيول الذكرى، افرجنا عن الحقائب وما بها من محتويات وهدايا، جعلتُ الأطفال يوزعون الهدايا على أهلهم وكانت فرصتي للهروب الكبير.
إلى تلك الغرفة البسيطة استعداداً لغسل الهموم بحمامٍ مغربي بعد عناء السفر.


بن قوت 06-04-2026 01:57 PM

اخي وصديقي ابو احمد
لقد سريت بنا معك في مسارات السفر
المفرحة والمحزنة والمشوقة
دايما السفر في الضروف الصعبة
يكون تحديا صعب
ومرهق للعقل والجسد
لكن تكون النهاية لها طعم خاصة جدا
مفرحا جدا لانها ولدة من رحم الصعوبات
اتحفتنا بسرد الاحداث
رحلة موفقة ان شاء الله

بن قوت 06-04-2026 02:01 PM

ما ادري متى تنقرض هذي العينات
التي تجلس في كرسي تريدة
اخر رحلة دفعت قيمة كرسي يمكن يساوي ثلث قيمة التذكرة في المقدمة
واتفاجا ان شخص شاب جالس فية واربط الحزام بعد
قلت له بكل احترام هذا كرسي لي
قال شف الطيارة مليانة كراسي
خاطبة الموظفة
اتضح ان كرسية في اخر الطيارة
وقالي تراها كلها كراسي
هههههههههههههه
قلت فية كرسي غالي وكرسي رخيص
:24:

ساري أحمد 06-04-2026 02:15 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بن قوت (المشاركة 628155)
اخي وصديقي ابو احمد
لقد سريت بنا معك في مسارات السفر
المفرحة والمحزنة والمشوقة
دايما السفر في الضروف الصعبة
يكون تحديا صعب
ومرهق للعقل والجسد
لكن تكون النهاية لها طعم خاصة جدا
مفرحا جدا لانها ولدة من رحم الصعوبات
اتحفتنا بسرد الاحداث
رحلة موفقة ان شاء الله

الزميل الجميل الأصيل النبيل
وفقك الله عزيزي ، اطلالة بهية عطرة
بالفعل النهايات تكون أجمل من البدايات لأنها تمخضت من رحم المعاناة.

محبتي

ساري أحمد 06-04-2026 02:16 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بن قوت (المشاركة 628156)
ما ادري متى تنقرض هذي العينات
التي تجلس في كرسي تريدة
اخر رحلة دفعت قيمة كرسي يمكن يساوي ثلث قيمة التذكرة في المقدمة
واتفاجا ان شخص شاب جالس فية واربط الحزام بعد
قلت له بكل احترام هذا كرسي لي
قال شف الطيارة مليانة كراسي
خاطبة الموظفة
اتضح ان كرسية في اخر الطيارة
وقالي تراها كلها كراسي
هههههههههههههه
قلت فية كرسي غالي وكرسي رخيص
:24:

هههههههه لن تنقرض تلك العينات صدقني ولو دفعت الذهب مدداً مدداً
احسنت، هنالك كرسي بثمن وهنالك كرسي مجاني، لكن

أهل العقول

في راحة


:e303:

ساري أحمد 06-04-2026 02:51 PM

لتتضح لكم الصورة والتعلق الشديد برغبتنا في السفر في هذا الوقت، اكتملت مسوغات الهروب كلها وقضاء شهر رمضان لدى الأهل في المغرب.
أولاً: الشتاء جميل وفي شهر مارس تكون الأجواء الربيعية اسطورية أشبه بالفانتازيا، علاوةً على موسم الثلوج والأمطار المستمرة، وكأي متابع وعاشق لهذا البلد فيعلم بأن السنة هذه كانت سنة استثنائية والمطر كان بمعدلات تاريخية.
ثانياً: شهر رمضان جميل بتفاصيله في المملكة المغربية ومن لم يشاهد أو يجرب شهر رمضان بالمغرب الحبيب وكان يدعي العشق فليراجع حساباته.
ثالثاً: لن تتكرر فرصة الاجازة المطولة حتى فصل الصيف بالنسبة للطلاب وذلك حسب الخطة الزمنية لوزارة التعليم.
رابعاً: وجود بعض الأعمال المتعلقة وكان علينا إنجازها في منزلنا وبعض الإصلاحات البسيطة بالإضافة إلى إحياء المنزل بعد طول غياب.

كلما وضعت خطة للحمام المغربي حال وصولي، تعتريني بعض حالات الكسل أو الخمول، لكن هذهِ المرة لم يسعفني الوقت، فالحمام الذي كنت متجهاً إليه خاطبوني بأنهم سيكونون متاحين بعد التراويح.

حسناً إنها فرصتي للعروج على بعض تفاصيل الدار البيضاء، وتجديد عهد الولاء لكورنيش عين الدياب " عين الذئاب"، وإذا صح التعبير فهي عبارة عن جلد للذات بصريح العبارة.
فمن يسوم نفسه سوء العذاب سوى المجنون الذي يعتصره الحنين للأطلال، لا البكاء يجدي ولا النحيب يواسيك.

كانت عقارب الساعة تشير إلى صلاة العصر تقريباً والأجواء باردة وملابسي خفيفة بعض الشيء، سولت لي نفسي الخروج بشكل ارتجالي إلى شوارع الحي والسلام على بعض الأصدقاء وتفقد أحوال الأسر خلف منزل الحاج محمد وتهنئتهم بالشهر الفضيل.
هكذا العقل يعمل بشكل عشوائي، تارةً يرغب بالهروب إلى عين دياب وتارةً يشير إليك بزيارة الأصدقاء أو مرور حيهم إن وجدتهم سلمنا عليهم وإن لم يتواجدوا سيعلمون لاحقاً بقدومنا.
كان إبراهيم " صاحب محلات تجارية" في الحي خلف منزل الأهل يفاوض الزبائن ويقدم لهم أجود ما لديه من أصناف للتمور، فالموسم موسمه والوقت وقته وهو سيد الساحة الآن.
علاوةً على تلك " المحلبة" محل عصائر وألبان وأجبان وبعض المنتجات الخفيفة، الوضع بسيط جميل محبب إلى النفس.
قدمت إليه ولم يلحظ وجودي، ثم التفت قائلاً: إنه عطرك الدائم سي "ساري".
عانقته بحرارة وكانت عليه ملامح الدهشة والحيرة والعجب، قال: كيف هي الأحوال لديكم بعد الأزمة في الخليج العربي؟
نحنُ بخير أخي إبراهيم، شكراً لسؤالك.
دعوات وأماني، حسرات وشيء من ألم، لا تخف يا عزيزي فالأوضاع بإذن الله مستقرة وسندحر الظالم والمعتدي، اطمئن ولا تساورك أي شكوك.
عقلي يشير علي بشراء بعض الأشياء من محل إبراهيم وذلك إكراماً له وتقديراً له على محبته وسؤاله الدائم
وبعد إلحاح وحربٍ على عدم الدفع وقبولها كهدية إلا إني كسرت ذلك الحاجز بشيءٍ من وعود مزجت بيومٍ آخر يكون فيه سداد ما سأشتريه لاحقاً بإذن الله.
عرجتُ إلى محل " إيدار" أو كما تنطق بالمغربية الدارجة "يدار"، ذلك الصحراوي الطويل، ذو الابتسامة المشرقة، صاحب بقالة تتوفر بها كافة الاحتياجات للأسر في الحَي، صافحني بحرارة لكنه لم يكتفِ أبدا بالمصافحة، وشدني إليه بقوة وضمني إلى صدره، تلك الحميمية في اللقاء تجعلك تنكسرُ أمام أمواج الجفاف العاطفي الذي نواجهه أحياناً مع بعض أقاربنا بعد طول غياب.
سؤال تلو الآخر عن الأوضاع وانا كأني متحدث رسمي أجيب عن الأسئلة، هل لديك شيء يا " يدار" احتاجه اليوم على الإفطار؟
حشومه اصاحبي، خود كاع اللي بغيتي نت خونا..!

طرب طرب !
تلك الجُمل تغذي قلبي ومسمعي، رصيد إضافي للحنين ومدخرات للجنون، اللهم اجعلنا من العقلاء وثبتنا على دينك واجعلنا من المستغفرين التائبين الحامدين الشاكرين.
هل اكمل المسير؟ باتجاه الحي وداخله؟ صراعٌ بداخلي والتعب أخذ مني ما أخذ والجسد منهك، سأزورهم إن شاء الله لاحقاً.
هل رأيتم الحرب بداخلي؟
مد وجزر، شروق وغروب، قمم ثلجية تذوب ثم تصبح كالسيل بداخلي، صاح بداخلي طِفل : عزيزي عد إلى منزل الأهل ثم ارتح قليلاً ويرد عليه الطفل المشاغب الآخر: كلا يا صديقي الإجازة قصيرة نسبياً مقارنة برحلاتك السابقة، اغنم كل دقيقة واكسب كل ثانية.


عدتُ إلى منزل الحاج محمد، جلست بجوار أبنائي مستمعاً لأحاديثه منصتاً كطالبٍ في الفصل لا يرغب في أن يطلب منه المعلم المشاركة، أو كالكسول الذي لم ينم جيداً، فكنت أجيب كل سؤال بابتسامة بسيطة وأهز رأسي مكتفياً بتوزيع الابتسامات، مجنونٌ بين العقلاء، حصانٌ أعرج في مضمار أعوج (الحصان قلبي والمضمار فكري).

قلت له يا والدي، با محمد (كما تنطق بالدارجة مشددة الباء) يعني أبي محمد، كيف هو الربيع الآن في تاونات؟
قال: اوه، السنة خيالية ليست كأي سنة، كان التلميح مني بأنها خطتنا لقضاء بعض الأيام الرمضانية في ربوع " البلاد".
المتمرد بداخلي يرغب بالخروج إلى معالم الدار البيضاء، والثائرُ أيضاً يخاطبني بالهروب والعودة قبل الغروب، كلا لن أخرج! مالكم ولهذه الفوضى بداخلي دعوني ارتاح من السفر.
ليس من العادات والأصول بأن اترك المضيف واغادر منزله ثم أعود قُبيل الإفطار، افا وين علوم العرب؟

تناولت المصحف واكملت الورد المخطط لهذا اليوم لختم القرآن الكريم أكثر من مرة خلال شهر رمضان المبارك، وغلبني النعاس في بعض الجولات وغلبته في آخر جولة، رسمتُ مخططاً بعقلي ومساراً معيناً لجدول الرحلة خلال الأيام القادمة، وخشيتُ أن تكون أيامنا كلها " دعوات لحضور الإفطار" لدى الأهل والأقارب.
رن الهاتف بعد أن همست بداخلي وحادثت نفسي بهذا الأمر " عجيب " من يتصل الآن؟ أنا في سماء صمتي السابعة وبلغهم الخبر؟
توارد أفكار، قلوبنا شاهدة على هذا التخاطر العجيب النادر..!
ساري، خذ الهاتف يرغب أخي احمد بالحديث معك، أهلاً سي احمد لا باس كلشي بخير؟ الوليدات العائلة ومالين الدار لاباس عليهم؟
قال: الحمد لله، ثم أردف قائلاً: غفلة! يشير إلى عدم إخباره بموعد سفرنا وحضورنا، يريد بذلك العتب أننا قدمنا إلى المغرب دون أن نعطيه خبراً.
قلت نعم هي كما قلت "غفلة" بتعبيرك لكنها مفاجئة بتعبيري يا " عشيري".
أهلاً وسهلاً بكم يوم غدٍ لتناول الإفطار لدينا في مدينة "سلا"، اجبته مباشرةً: بل أنتم حياكم الله في الدار الكبيرة لدى الوالدين.

ياك اسي ساري؟ وياه داكشي لي سمعتي مالك اصاحبي؟ مغديش تجي لدار والديك؟!
كرة اللهب قذفتها مباشرة إلى يديه، تفادياً للحرج وكسباً ليومٍ إضافي للسفر وبداخلي أقول: إلهي لا تجعل أحداً يسيء فهمي.



اللهم إني صائم

كلما وعدتيني بليل اشرقت شمس
وكلما تمنيني بضحى خانها غروب
الله يعلم من بدمعه سقى الغرس
ومن وقف الدنيا على رمش محبوب

" طلال الرشيد رحمه الله"

غالباً ما يتكون الإفطار الرمضاني المغربي من أطباق غنية بالبروتينات والفيتامينات، إضافةً إلى بعض المعجنات والفطائر الخفيفة، وتتفوق عليهم سيدة المائدة في هذا الشهر " الحريرة المغربية".
محدثكم لا يعبئ بتلك الوجبات ولا اختلاف الأصناف، فأنا رجل تقليدي يكتفي بتمرات ورشفات من الحريرة، وإذا كنت راغباً في المزيد فإني اضيف " بيضة مسلوقة" من باب التمسك بالعادات المغربية والتقاليد.
وبما أن الديموقراطية تسري في عروقي فإني اجربٌ لاحقاً تلك الأصناف الجديدة التي تقدم في العشاء كي لا أتخم المعدة واتكاسل في المساء.
كان الترحيب كبيراً بهيجاً وفخماً، ولهم جزيل الشكر ووافر المحبة على هذه الحفاوة، اللهم بارك لهم وزدهم وارضهم كما تحب وترضى.
كل موائد الدنيا لن تغنيني عن الخروج إلى الدار البيضاء، كأني جنين حان وقت خروجه لكن الأطباء يرون أن أبقى يوماً آخراً بداخل ظلمات الانتظار، فالشمس " ملحوقٍ عليها"!
لن ينفعني التمرد ولن يجديني بشيء، أخشى أن يخنقني حبل الاشتياق فأظل حبيس هذهِ الظلمات، ننتظر يوم غدٍ موعدنا مع المعشوقة الدار البيضاء! أليس الصبح بقريب؟

q8ya metnaqla 06-04-2026 09:49 PM

الحمدلله على السلامة ساري
استرسال وسرد وايد حلو
ما شاء الله عليكم اشوه انكم كملتوا الرحلة والعايلة ساعدتك
سالفة كراسي الطيارة ما راح نخلص منها الله يكون في العون
ما شاء الله حلو المطار لا صارت اجرءاته سهلة وسريعة
كمل متابعين معاك

توبليرون 07-04-2026 12:18 AM

سرد جميل ومشوق للسفر
الحمدلله اكتملت اجرائات السفر والحمدلله على وصولكم بالسلامة
وننتظر البقية مع الصور

ساري أحمد 07-04-2026 07:43 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة q8ya metnaqla (المشاركة 628177)
الحمدلله على السلامة ساري
استرسال وسرد وايد حلو
ما شاء الله عليكم اشوه انكم كملتوا الرحلة والعايلة ساعدتك
سالفة كراسي الطيارة ما راح نخلص منها الله يكون في العون
ما شاء الله حلو المطار لا صارت اجرءاته سهلة وسريعة
كمل متابعين معاك


سلمك الله أختي الكريمة
الحمد لله تيسرت الرحلة بالرغم من الصعوبات
لكن لا تزال المسألة في العودة متعبةً أيضاً :20:
أما المقاعد " خليها على الله" لكن الإنسان يتغاضى ويوسع صدره.

شاكر لك مرورك العذب

:e304:

ساري أحمد 07-04-2026 07:45 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة توبليرون (المشاركة 628180)
سرد جميل ومشوق للسفر
الحمدلله اكتملت اجرائات السفر والحمدلله على وصولكم بالسلامة
وننتظر البقية مع الصور

الله يسلمك يا أم حسين
والله يعينكم ويعيننا ويكفينا شر الأوضاع الراهنة
ويحفظ بلاد المسلمين.

ابشري بالصور، تم رفع جزء منها في مركز التحميل وجار التنسيق وادراجها بالتقرير

بارك الله فيك


:e304:

ساري أحمد 07-04-2026 09:19 AM

بالنسبة للرحلة التي تأخرت في مطار الملك فهد الدولي، فلقد كنت اتابع الطائرة القادمة من جدة والتي ستقلنا، الطائرة واحدة اللهم رقم الرحلة يختلف.
كان مسار الرحلة القادمة من جدة كالآتي

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...115374972.jpeg

وحينما صعدنا الطائرة من الدمام إلى جدة اصبح المسار طويلاً نظراً للأحداث بالمنطقة وتم تفصيل المسار سابقاً.

ساري أحمد 07-04-2026 09:21 AM

في مركز تحميل الصور نصف الصور التي رفعتها تظهر بزاوية أخرى " مقلوبة بشكل افقي".

:23:


عموماً سأضع الصور التي لم تتغير وظلت ثابتة.



ساري أحمد 07-04-2026 09:26 AM


من الصور التي لم تتأثر بعد الرفع

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...115455626.jpeg

قبل الهبوط

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...115474928.jpeg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...115465457.jpeg

بعد الانتهاء من الاجراءات والخروج إلى مواقف السيارات

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...155802712.jpeg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...155897613.jpeg

اعرف بأن هذه الصور لن تسد جوع شوقكم للصور ، لكن يشهد الله بأن الصور التي رفعتها تظهر لي شبه مقلوبة.
وسأحاول رفع المزيد دون أن تتأثر بعد ان افرغ من اجتماع الساعة العاشرة بعد قليل بإذن الله.

وهذهِ الصورة " تصبيرة" إلى حين رفع الباقي.

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...322963828.jpeg


:e304::e304::e304:

لاجئ سياحي 08-04-2026 11:17 AM

المبدع والغالي أبو أحمد
كم هو جميل هذا الوصف لذكريات من ماضيك القريب والتي ستبقى عالقة بالاذهان على مر الزمن كما يحفر النقش على الصخر ..فقد نحب مكانا معينا ونختزل ذكرياته بحلوها ومرها الى حد انها تصبح جزء لا يتجزأ من
حياتنا لذلك ..فالاشتياق ..ثم الاشتياق ..لها..وآه من الاشياق .
فهل توافقني الرأي اذا قلت بان زيارة المشتاق لدرب وسكه ومكان .. هو (ان التاريخ يعيد نفسه)

وعساك على القوة

ساري أحمد 12-04-2026 08:13 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لاجئ سياحي (المشاركة 628208)
المبدع والغالي أبو أحمد
كم هو جميل هذا الوصف لذكريات من ماضيك القريب والتي ستبقى عالقة بالاذهان على مر الزمن كما يحفر النقش على الصخر ..فقد نحب مكانا معينا ونختزل ذكرياته بحلوها ومرها الى حد انها تصبح جزء لا يتجزأ من
حياتنا لذلك ..فالاشتياق ..ثم الاشتياق ..لها..وآه من الاشياق .
فهل توافقني الرأي اذا قلت بان زيارة المشتاق لدرب وسكه ومكان .. هو (ان التاريخ يعيد نفسه)

وعساك على القوة



لا زلت متأملاً جمال ما تبدع به دائماً في متصفحي
عرسٌ هنا وفرحٌ هناك، صدري ساحة لعب للأطفال
ذاكرتي دواء للشيوخ، لكني لا أملك وصفةً أو ترياقاً فعلاً أو مناعةً من جمال حرفك.
متفقٌ معك بأن التاريخ يعيد نفسه
ونحنُ نعيد صياغة حبنا بطريقة أو أخرى للمغرب
ومهما تجولنا في ربوعه واكتشفنا شيئاً جديداً
نجد في واقعنا بأننا لم نكتشف المزيد.


دمت بحب

أبولجيـن فهد 12-04-2026 11:45 PM

الشيخ ساري احمد ...
الأكثر متعة هو أسلوبك الأدبي الفاخر جدا ...

والصور التي ترسمها بحروفك ..و لغتك الرفيعة جدا ...

هلم الينا نبايعك ( أديب العرب المسافرون ) بلا منازع ...



آخـــرفـــرصـــة 13-04-2026 02:09 PM

مبدع يابو أحمد
أسلوب سلس و راقي في وصف رحلتك
إلى المغرب الحبيبة
حبك لها واضح في كل كلمة كتبتها

عودتك للكتابة بعد انقطاع أثرى المحتوى
ومنح بوابة المغرب أفضلية على غيرها

بالنسبة للصور المقلوبة
الصور الطولية تعمل لها مجلد لوحدها
ثم تفتحها ببرنامج الرسام PAINT وحفظ فقط
ثم ترفعها على مركز التحميل

https://www.arabtrvl.com/vb/t39368.html

:e032:

ساري أحمد 14-04-2026 02:20 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبولجيـن فهد (المشاركة 628313)
الشيخ ساري احمد ...
الأكثر متعة هو أسلوبك الأدبي الفاخر جدا ...

والصور التي ترسمها بحروفك ..و لغتك الرفيعة جدا ...

هلم الينا نبايعك ( أديب العرب المسافرون ) بلا منازع ...




أبو لجين فهد

مساؤكَ ألق
طابت أوقاتك
وطبتَ بصحةٍ وعافية
ما تعاقب الفجر والشفق
مدهشٌ أنت في حضورك
منعشٌ في حروفك الصادقة
وسام كلماتك على صدري
كجميل صنعته ودينٌ يحرجني صاحبه.

اشكرك من الأعماق على عذوبة مشاعرك
دمت لأحبتك أيها النبيل

ساري أحمد 14-04-2026 02:26 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة آخـــرفـــرصـــة (المشاركة 628328)
مبدع يابو أحمد
أسلوب سلس و راقي في وصف رحلتك
إلى المغرب الحبيبة
حبك لها واضح في كل كلمة كتبتها

عودتك للكتابة بعد انقطاع أثرى المحتوى
ومنح بوابة المغرب أفضلية على غيرها

بالنسبة للصور المقلوبة
الصور الطولية تعمل لها مجلد لوحدها
ثم تفتحها ببرنامج الرسام PAINT وحفظ فقط
ثم ترفعها على مركز التحميل

https://www.arabtrvl.com/vb/t39368.html

:e032:


العودة هي حياة أيها النبيل
خروج من زنزانة الصمت
رؤية هذا القصر وهذهِ البوابة صامتة ألمٌ ينخر قلمي
العودة اعتبرها " مناعة" وقوة احتاجها لحرق تلك الشموع الناعسة في يدي
فلا فائدة من الشموع إن لم تكسر صمت الظلام.

الشرح جميل بسيط ، لقد اتضحت الصورة لدي الآن، واغفر لي عدم معرفتي وإلمامي ببعض أمور مركز الصور، وأنت الخبير الضليع بها.
سأقوم بجمع الصور بمشيئة الله ووضعها في مجلد تدريجياً.

الحنين للمنتدى شيء صحي
بهِ أخلو لنفسي حتى يفيض كأسي
ولا يخفى عليك وصدقني إذا ما قلتُ بأني كلما أخذني الحنين
لبيتُ نداءه وتصفحت الكثير من التقارير في البوابة
كمن ينظر إلى تلك السهول والحقول ويملأ صدره من تلك الزنابق وخصلات الربيع المتدلية على أكتافِ اللوحة.

دمت بخير

ساري أحمد 16-04-2026 09:56 AM

أيام الطفولة كنا نتابع مسلسل " أشعب" الذي رسم لنا أبلغ صورة عن التطفل وعدم الشبع والتهام أصناف الأكل في منازل الجيران أو الولائم والمناسبات، سواءً كان يعرف أصحابها أم لا يعرفهم.
كان صلاح السعدني رحمه الله مجسداً لتلك الشخصية بصورةٍ احترافية رغم بساطة الإمكانيات في تلك السنين.
فجرت العادة في قريتنا السعيدة في تلك البلاد البعيدة، قبل أن ننطق بعذوبة كلمة " كبيدة" وكاع كاع أزوبيدة، بأن نطلق لقب "اشعب" على من تنطبق عليه تلك الصفات وكنا نطلق عليهم أيضاً بتعبيرٍ ساخرٍ لاذع " أبو بطنين" !
وفي بعض الأحيان ندعوه بالْبُطَيْنِي ( بطيني).
عموماً لا حاجة للإسهاب في السرد الذي يخرج عن إطار التقرير، في المغرب هنالك أيضاً وجدنا أشعباً جديداً يكاد أن يحطم الرقم القياسي بسرعة التهام الأصناف والفواكه واللحوم بصورة تجعلك تحمد الله على نعمه.
سأقوم بإدراج الصور تلقائياً بعد اكتمال حصرها من الكاميرا والهواتف الذكية بإذن الله
وسأغتنم هذه السطور لسرد بعض التفاصيل والذكريات.
في تلك الليلة الباردة وبعد وصولنا إلى الدار البيضاء بحمدِ الله وفضله وكرمه، وجدت نفسي غارقاً في الراحة والكسل النسبي، استيقظت في الصباح الباكر (فجر 11 مارس 2026م) وبعد صلاة الفجر مكثت قرابة الساعتين في خلوةٍ مع نفسي وإنهاء الورد المخصص للتلاوة.
تراودني شوارع البيضاء عن ذاكرتي رغم برودة الطقس إلا أن النفس لها حقها وإرضاؤها واجب.
الكل في سباتٍ عميق ومحدثكم في نشاطٍ وشغف وفراغ يشبه قعر أكواب القهوة السوداء.
في تلك البوتقة وبين الحيرة والسيل العرم من الأفكار، قررت الخروج إلى " عين دياب"
فمنزل الحاج محمد ليس عن مقصدي ببعيد.
خرجت ميمماً وجهي إلى ذلك الكورنيش متأملاً روعة المنظر وتفاصيل تعيدني إلى الوراء
وتشعل الحماسة في قلبي.
فما بين شابٍ يجري يسابق الريح وشيخٍ يمشي بخطوات ثابتة موزونة، وأطفال يسابقون قطرات الندى الناعسة على وريقات النخيل، ترتسم في مخيلتي وعيني صورة اعشقها وأدمن تفاصيلها بشكل تراجيدي.
أوقفت السيارة عن أحد المطاعم المشهورة سابقاً " تمت إزالة المطعم" وعبرت الشارع باتجاه الرصيف الآخر لأعانق تلك الزُرقة البعيدة القادمة من المحيط، لاستمع إلى عتاب الأمواج وملامة حبات الرمال، تلك الحبيبات التي كلما لامستها أو حملتها رحت كالمجنون اشتم عبقها بقوةٍ دون أي زفير في حالةٍ تشعر من حولي بأني كنتُ سجيناً ما أو مغترباً طالت به المدة.
بعد أن امضيت قرابة النصف ساعةٍ ما بين جنون وتعقُل، وبعد أن فرغتُ من طقوسي الطفولية قررت التوجه إلى الرصيف الآخر لمواصلة المسير لتدفئة الجسم وبث النشاط في جسد مرتحلٍ اعيته صروف الدهر وظروف السفر.
كل شيء هنا يشدك ويبقيك فاغر الفم، النهارُ هنا ليس كالمساء أبداً، النسمات، الناس، السيارات، كل شيء يختلف والحياة شبه متوقفة في الصباح الباكر في هذا الشهر الكريم.
كانت مخاوفي بأن تكون رحلتي عبارة عن تلبية دعوات الإفطار لدى الأقارب، اليوم لدى الحاج وغداً لدى أبا إيادٍ وبعده لدى أحمد ومن بعد في منزل سي مصطفى العامر.
الكرم المغربي لا يضاهيه كرم، واللطف والمحبة والعاطفة وحرارة المشاعر أيضاً، لكني سائح ولا ارغب في أن أصبح لفرطِ تلك المواعيد كرجل أعمالٍ أو مدير مكتب لأحد المدراء لمتابعة التقويم الخاص بالاجتماعات، الأمر الذي يفقدني صوابي ويجعلني أتحسرُ على هذهِ الرحلة التي ولدت من رحم المعاناة.
كل هذه المخاوف حدثت ولكن تدريجياً كعاصفةٍ ولدت من لا شيء!!
لازمت المنزل إلى قبل موعد الإفطار، المائدة المغربية في شهر رمضان المبارك تعتبر مائدة خيالية أسطورية، حالة الطوارئ في المنزل قبل الإفطار تعطيك انطباعاً موحداً بأن كافة المطابخ في هذا الشهر الكريم تغلي كمراجل البخار، كتب الله أجركن جميعاً على هذا التعب وعلى تلك الأطباق الشهية.

بالرغم من تناولي الشيء اليسير من الإفطار إلا أن شعور التخمة ظلَّ ملازماً لي حتى بعد صلاة العشاء، تلك الفترة التي ترغب بها في الراحة تظهر لك آثار السفر وثمالة الإعياء بحكم طول المسافات واختلاف الأجواء.
في تلك الليلة رغبت في أخذ عائلتي إلى أحد المقاهي أو المطاعم في منطقة الكورنيش " عين دياب" تردد الأبناء ووافقت زوجتي.
كرقعة شطرنج وأحجار اللعب تكون المسافة بين المنزل والشاطئ، ومحدثكم لا يفقه من الشطرنج إلا " كش ملك " !
بعد بلوغنا وجهتنا عادت بي الذكرى إلى موقفٍ حدث في نفس الشارع المقابل للمقهى الذي خططنا تزجية الوقت به ورسم جدول للرحلة والأنشطة الرمضانية والغير رمضانية خلال مدة الإجازة البسيطة.
حيث أن هذهِ " الزنقة" أو " الحومة" كما يسميها إخوتنا المغاربة لها ذكرى "متعبة ومرهقة"، ولا زلت أذكر ذلك المساء حينما خرجنا من المقهى باتجاه السيارة في ليالي عيد الأضحى، حيث قالت لي زوجتي : انظر الزجاج الخلفي مهشم بالكامل !
كيف؟ أين الحارس الذي كان بجوار السيارة " العساس" مشتقة من العس/ العسس
ومن الذي كسر الزجاج وبداخلي بركان ثائر وزلزال حائر، ولماذا سيارتنا بالتحديد؟
قدم الحارس الخمسيني ذو السحنة السمراء " الشهباء" وتلك النظارات الطبية التي كانت تخفي خلفها عينا نسرٍ جائع حذر صبور، قال لقد جاءت الشرطة واقتادوا الفاعل إلى مركزهم، فلقد اخبرتهم بالحدث...!
قلت له : هيا معي إلى مركز الشرطة!
اعتذر من نظرةٍ فهمتها بأن الأمر فوق طاقته وبأنه يخشى مغبة الأمر على نفسه، هنا تأكدتُ بأن الفاعل مجرم مشهور في " الحومة " !
وإذا بنا ننطلق باحثين عن مركز الشرطة حسب وصف الحارس، قال إنه هنا قريب في ذلك الحي الراقي.
حي راقي!
إلى هناك التلاقي!
وبين حيرةٍ وغموض
حارت القطراتُ
في المآقي!

فتشتُ في ذاكرتي بشكل سريعٍ عن لوحة مركز شرطة أو مركبات للبوليس في الحي، عند تلك المنازل الفخمة، الرؤية ضبابية بداخل عقلي والذاكرة تخفي شيئاً من تفاصيل المركز
لم استطع إيجاده في إرشيف خرائطي الذهنية.
وزوجتي تحاول عبثاُ أن تجد المركز عبر الخرائط، قلت لها : لا داع للخرائط، سأسأل المارة والعابرين..!
الانفعال كان سيد الموقف وبداخلي "تشيرنوبل" على وشك إحداث تسرب كارثي، لكني آثرت الصمت والتريث لحين إيجاد المركز.
وإذا بأحدهم يطلبُ مني الوقوف مؤشراً بيديه ، نعم "سِيدي" أراك تائهاً تطوف كالهائم على وجهه.
قلت له: أراكَ طروباً والهاً كالمتيمِ، فابتسم من ردي، أريد مركز الشرطة يا سيدي الفاضل
ابتسم مجدداً وأشار بيده إلى آخر نقطة بزاوية الشارع، وما إن تقدمتُ قليلاً حتى وجدت مركز الشرطة الذي بدا أشبه بمنزلٍ ذو طابق واحد، أحيط بالأشجار من كل جهة وسوره لا يكاد أن يظهر لكثافة الأشجار المتسلقة.
قلت لزوجتي : بقاؤكِ في السيارة افضل
حركت رأسها بإيماءةٍ سريعة أنه من المستحيل أن أبقى وأتركك وحيداً، قلت: أتخشين أن يهزمني رجال الأمن الوطني؟
قالت بكل بساطة: أنت هنا بالنسبة إليهم صيد ثمين وكنز هبطَ من السماء والسباق سيكون على " مالك" وما لديك من هدايا أو أي شيء قابل للاستهلاك البشري!
اخبرتها بأني على درايةٍ بهذا كله فليس هذا بغريبٍ أو بشيء جديد، حتى أبناء جلدتك القادمين من أوروبا تستفزهم بعض السلطات طمعاً ورغبةً ببضعِ دريهمات!
شعرتُ بأني أوغلت في ردي ولامست جرحاً وقد تأخذها " الحمية" بقصدٍ أو بدون قصد.
قالت: رجلي على رجلك وإلا إن دخلت وحدك فأنت ماضٍ إلى أجلك!
دخلنا إلى المركز البائس الكئيب الرتيب، جدرانه مطلية حديثاً وذلك من شدة الرائحة التي ازكمت أنفي، أول مكتبٍ على اليمين كانت للاتصالات واستقبال البلاغات والإضاءة خافتة بعض الشيء كأنك وسط مصلى صغير بالكاد يصلي فيه " خمسون رجلاً".
أما المكاتب الأخرى فهي مقسمة كزنازين أو مكاتب اعترافات، تشبه تماماً بعض المعتقلات التي كنا نراها في المسلسلات والبرامج الوثائقية.
رهبةُ المكان فصلت تفصيلاً وهندست بشكل يبعثُ الخوف لأي زائر لهذا المكان.
تشعرُ للوهلة الأولى بأنك بين أنياب الأسود أو كمن دخل إلى محيطٍ مليء بأسماك القرش ويقول لهم : أنا هُنا.
لم يلتفت لنا أحد أو يكلمنا حتى قرأت في اللوحة الخارجية لآخر مكتب على اليمين " المدير المناوب".
قلت لزوجتي لنتملق قليلاً بالألفاظ ونضخم ونفخم المناصب علّهم يهتدون !
ابتسمت وسايرتني في الفكرة حتى دخولنا المكتب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نعم يا سيدي الفاضل ماذا لديك ؟
" مون كونويل" بالفرنسية المفخمة " الكونوليل تعني العقيد" احتراماتي أيها النبيل هل تسمح لي بالجلوس؟
قال أنت لا أما الأنثى فَنعم!
قالت له زوجتي : لن أجلس ما دام زوجي قائماً.
صُعِق العقيد ثم تمتم : مزيان ألالة مزيان.
شعرتُ بأننا المجرمين ولسنا طالبي الحق أو المجني عليهم.
وماذا لديكم من أمر طارئٍ في هذا الوقت المتأخر ؟
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً أو قبلها بشيءٍ قليل لا أتذكر حقيقة سوى لحظة خروجنا في الساعة الواحدة والنصف صباحاً من المقهى، وكأن الساعات مرت بطيئة أو ثقيلة بسبب الزجاج الذي هُشم أم عقلي الذي تكسرت تركيبة أفكاره!

أوضحت له بأن سيارتي تم كسر زجاجها الخلفي بالكامل " جهة الكوفر" باللهجة المغربية الدارجة.
وكنت احدثه بلهجتهم ، وهو لا يزالُ مصدوماً مندهشاً وكان يخالني مغربياً من أبناء جلدته حتى أشرتُ إليه بأني لست من المغرب.
اتشرفُ بكوني مغربياً في نظرك والشعب الطيب الكريم المضياف لكني يا سيادة العقيد من المملكة العربية السعودية.
قام من مكتبه وصافحني بشدة وحرارة متأسفاً معتذراً مهللاً مرحباً خاتماً كافة ألفاظ الحفاوة والترحيب.
عجيب !
كنت أحادث نفسي، أحقاً تعاملون الناس وفق جنسيتهم؟ وحالتهم المادية وألوان بشرتهم؟
هل تشرب الشاي ؟ القهوة ؟ الماء ؟
كلا يا سيدي الفاضل، فقط أرغب برفع بلاغ عن الحادثة، وحسب ما قيل لي بأن الجاني موجود لديكم!
ما شاء الله الأخبار تصلك بسرعة، قلت: بلى ألسنا في المغرب الحَبيب؟
طلب مني الجواز الذي لم أكن أحمله معي وكانت لدي صورة منه في هاتفي المحمول وذلك كإجراء روتيني لتسجيل البلاغ.
ثم كلم العقيد موظفةً قدمت إلينا وعرفت بنفسها بأنها منسقة الاتصالات والبلاغات في المركز وفي هذا الحي تحديداً.
لا يزال الوضع يسير كسفينةٍ تلعب بها الأمواج وسط محيط مرعب بداخل عقلي وأفكاري وأنا كالربان الذي لا حل لديه سوى الابتهال والدعاء بأن نتجاوز تلك الموجات العالية بأمان حتى نصل إلى مرسى الطمأنينة أو ميناء السكينة.
دخلنا لدى ضابط اقل رتبة، وكان رائداً إن لم تخني الذاكرة، شاب في مقتبل العمر ذو سحنةٍ جبلية شمالية، للوهلة الأولى قلت لزوجتي : هذا الشاب واضح بأنه " ريفي" !
كلمة ريفي لا تعني منقصة أو عيباً، فهي إشارة إلى أنه من أهل الريف الشمالي أحفاد عبد الكريم الخطابي المجاهد المغربي المشهور.
مساء الخير " مون كومندون"
ابتسم مستغرباً مشدوهاً مندهشاً لسرعة نطقي الجملة باحترافية فقال :
تبارك الله عليك واعر.
جلسنا إلى مكتبه وكنتُ مرتاحاً من أسلوبه السلس في البداية، لكني كنت متيقناً بأنه كالأفعى من ابتسامته الصفراء وكثرة لعبه بأصابعه بالقلم وانشغاله بالهاتف المحمول.
بدأ معي التحقيقات بشكل جذري وبشكل مقيت جعلني اشكُ بأني انا صاحب الحق أو المدعي وفي قرارة نفسي كنت أقول : ما الأمر؟ هل هنالك بلاغٌ علي ؟ أم انا مطلوب بمذكرة للانتربول؟
المسألة تتعلق بليالي العيد إذن !
لأن حضوري يربكهم، كوني أجنبي ولستُ مقيماً أو ابن البلد فالمسألة تأخذ إجراءات أطول وإدارات أكثر والقضية قد تكون فيها ممثليات قنصلية أو سفارات دول !
الاسم: ساري أحمد.
الوظيفة: هيئة ملكية !
قال كيف؟
قلت الهيئة الملكية.
المسكين يعتقد بأني المسمى يشير إلى كيان دبلوماسي أو بلاط رئاسي أو حتى مجلس نواب
قلت له تلك جهة عملي مون كومندون!
أين جوازك ؟ قلت لدي صورة منه، تمتم باللهجة الريفية وقلت له : تمتم بالعربية يا صديقي، ألستُ من جبالة ؟
صعق وأردف قائلاً : منين جبتيها ؟ " كيف عرفت" قلت ملامحك يا سيدي الفاضل تعطيني تصورات وانطباعات وشيئاً من الأحكام !
اممممممم فراسة؟ أم دراسة؟
قلت : عشرة عمر !



لماذا جئت إلى " عين دياب"؟ ما الذي تفعله حتى هذا الوقت المتأخر؟
جئتُ كما جاء الذين من قبلي إلى هنا وسيأتون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، الخروج للفسحة وتناول العشاء خارجاً.
قال: المكان الذي كنت فيه راقياً لدرجة البذخ، قلت : ما تراه بذخاً نراهُ شيئاً اعتيادياً لدى الطبقة البرجوازية لديكم في هذا الحَي!
لم يعجبه ردي، لمست ذلك في انفعاله ومحاولته استفزازي بطرقٍ شتى.
قال ومن هذه التي معك؟
قلت: لا تقل هذهِ بل تأدب بلفظك وقل: من تكون السيدة التي معك!
طلب من زوجتي بطاقتها المدنية: قرأ الاسم مراراً وتكراراً، وأشار إلى اسم عائلتها مندهشاً.
قال: فلان الفلان وزير الداخلية السابق من عائلتكم؟ قالت: ابن عم والدي!
صعق المسكين وارتعدت فرائصه لدرجة بأنه كاد أن يقوم من مكتبه ويؤدي التحية العسكرية.
نادى على زميلته: وا فطيمة وا الخوت، علاش قصرتوا في حق الضياف ، فينهاو الاتاي والقهيوة!
عجباً !
اسم وزير داخلية سابق حرك بداخلكم الرعب؟
أنه يوم سعيد ونهار كبير وأهلاً وسهلاً بكم في هذا المركز، اعتذر عن الخطأ الغير مقصود وأطلب منكم السماح!
قلت له: ليتك بقيت على سجيتك العنيدة كما قابلتك أول مرة، استغرب من قولي معاتباً:
لسنا بقدر المقام؟
بل يا سيدي مقامك محفوظ وقدرك معلوم، لكننا في مركز شرطة ولسنا في منزلكم!
الموظفة التي تسجل المحضر او الاستجواب كانت على محياها ملامح دهشة، وكانت تحادثه باللهجة الدارجة: مال هاد السيد كاعي؟ لماذا هذا السيد غاضب هكذا ؟
قلت لها : لستُ غاضباً أريد حقي فقط ورؤية الجاني.
لا حاجة للتفخيم والتعظيم هنا، انتم تقومون بدوركم فقط وأنا أرفع البلاغ وانتظر تصعيد الموضوع إلى سيادة القاضي.



لاجئ سياحي 16-04-2026 11:33 AM

أكمل يا بو أحمد رعاك الله
لا تعلقنا

وعساك على القوة يالغالي

ساري أحمد 16-04-2026 11:54 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لاجئ سياحي (المشاركة 628370)
أكمل يا بو أحمد رعاك الله
لا تعلقنا

وعساك على القوة يالغالي


ابشر بسعدك

مالك إلا طيبة الخاطر

ساري أحمد 16-04-2026 12:55 PM

ساد صمت رهيب في المكتب، وأمارات الدهشة ترسم لوحة ملامح الرائد خلف طاولته البيضاوية الشكل ذات اللون الكستنائي، استعديت للأسوأ من الاستفزاز بطبيعة الحال، فلقد كنتُ عنيداً سريع الضرب باللفظ جريئا غير مبالٍ بأي شيء يدور حولي، لا أزكي نفسي أبداً، لكن كما تعلمنا وسمعنا ورأينا ممن سبقونا من أهل البلد، بأن الارتجال والشدة مع رجال الأمن في بعض الأحيان تؤتي أُكلها.
هكذا إذاً أيها السعودي..
قالها بصوتٍ يخترقُ دروع الصمت المطبق الذي كان قبل قليل، قلت سعودياً كنت أم مغربياً عربياً حراً مسلماً من طنجة إلى جاكرتا، أريد رؤية الجاني فذلك أبسط حقوقي..!
حينما رأى إصراري وتعنتي معه رفع الهاتف ونادى أحد الحراس لإحضار المتهم.
في مرحلة ما بين الوعي واللاوعي، ومرحلة الصدمة والذهول وتخيل شكل الجاني وماهية وضعه، تذكرتُ حكمة والدي الأسطورية: " الشرطة ورطة".
كان رحمه الله يعني بأنك سواءً كنت طالباً أو مطلوباً فلا تخال نفسك ستدخل بدون أن يطرح عليك الكم الهائل من الأسئلة ولا تعتقد بأنك ستخرج دون أن تنهي ما بدأته.
قدم المشتبه به، رجلٌ ثلاثيني أسمر السحنة قصير القوام، به ضربةٌ على جبينه وآثار جرح حديث في أنفه، خائف مرتعد مرتبك، كأنه أسد جريح أو ذئب طريح.
رفع الرائد صوته عالياً وهدده بالضرب بيده، في لوحةٍ عجيبة مخيفة مرعبة مقيتة، ترسم لك مشهداً يعيدك إلى القرون الوسطى، حيث الرعب والخوف من القائمين على القانون.
قلتُ له: سيادة الرائد لا تنهره ولا تعاتبه، لا حاجة للتسلط عليه فملامحه تريك بأن " اللي فيه كافيه " !
ضحك الضابط: بقى فيك الدري؟!
( كسر خاطرك – الدري تعني الصغير) والأنثى " درية " .
قلت له مجيباً معاتباً: كلا لم يكسر بي شوكة ولم يحرك بي ساكناً، لكن من حالته لا حاجة لأن تزيده غماً على غم وتنكأ جراحه.
لا أريد أن تكسر أنت الإنسانية وتسيمه سوء العذاب، أليس هنالك قانون ومساطر جنائية وما إلى ذلك حسب مدوناتكم والإجراءات؟
حينما تغلغلت نظراته في عيني، بعد أن طلبت منه أن يرفع رأسه، قرأت في ملامحه شيء عجيب، مزيج من الخوف، نسيجٌ من السطوة تختفي بين حركات يديه، كُرهٌ أو حقد أو شيء من عداوة سابقة!
سألته: كيف حالك؟ هل أنت بخير؟
ولكم أن تتخيلوا المشهد، مكبل اليدين والقدمين وأنا اسأله بكل برودة عن حاله، وهو يكاد أن يتميز من الغيظ وجراحه تنزف، شعرتُ بأن ضغط دمه ارتفع وانفعاله بلغ الزبى!

سكوت لا نعمي ( - - - - - -) !
عجبي، جريح منكسر ويتنمر ويتجرأ بالسباب والشتام، شاح الرائد بنظره ثم أردف قائلاً: هل اقتنعت يا سي ساري بأنهم قومٌ لا تستطيع تطويعهم إلا بالعصى؟!
بكى المتهم بكاءَ طفل، وشهق شهقةَ غريق " عتقو الروح " كمن يطلب عتق رقبته من القصاص.
جاء العقيد من مكتبه في لحظةٍ لم نشعر بوجوده، حيث كان واقفاً عند الباب يتنصت إلى أحاديثنا وتحقيق الرائد.
قال لي: لا حاجةَ لأن تصعد الموضوع فأنت رجل " لا باس عليه" !
قلت كيف؟ قال : لا باس عليك عندك فليسات بش تصلح الزجاج المهرس!
هذا قرارك أم رأيك أيها العقيد؟
كلا مجرد فكرة، إنها ليالي العيد، دع المسكين يقضيه مع عائلته وأنت رجل طيب يظهر عليك الوقار والحكمة.
هو مسكين وماذا عني؟ هل تعلم يا سيادة العقيد بأن اصلاح الزجاج يكلف أقل شيء مبلغ (2000) درهم (40 الف ريال) ( سنتيم).
قيمة كبش العيد يا سيدي هي قيمة اصلاح الزجاج، أم لأني حسب وجهة نظرك بأني " مريش" و" لا باس عليا " و "منغنغ" تريدني أن أتنازل عن القضية؟
لا لا تذهب بأفكارك بعيداً إني امازحك فقط، ما بك تأخذ الأمور كلها بمحمل الجد؟ وش انتا مزداد في كازا؟
(هل أنت مولود في الدار البيضاء)؟
قلت الدار البيضاء ميلاد حبي وعشقي وأول أرضٍ قبلتها في رحلتي إلى المغرب خلال العقدين الماضيين.
قال: ولن تفطمك ولن تتخلى عن حبها.
سمعتُ صوت صفعة مفاجئة، مدوية سريعة خاطفة ألقت سحابتها على وجه الجاني المسكين وسيل من الكلام النابي بالإضافة مزيج من ألوان خرجت على ملامحه شكلت لوحة ألوان مائية رسمها طفل بليد.
أعادوا المسكين إلى التوقيف مجدداً وطلب مني العقيد أن أرافقه إلى مكتبه الميمون!
أخي أحمد (الكنية حسب معتقده) اجبته: نعم يا سيدي الفاضل، اعتذر عما بدر منه من انفعال وردة فعل قاسية تجاه الجاني وسوء تقديره للموقف واعتذر عن كلمته "نتا لا باس عليك".
رغبتُ حقاً في المغادرة بأسرع وقتٍ والعودة إلى البيت وتغطية السيارة من الخلف بأي غطاء مؤقت لحين إصلاحها لدى محلات الزجاج، لأن الصبر لدي تجاوز طاقتي.
طلبت منه أن يعجل بالإجراءات ولننهي الموضوع وفق المساطر القانونية ولتأخذ القضية مجراها، فالسيارة ليست لي وأنا ملزمٌ بإصلاحها والتعويض متى ما حكم القاضي فإن قراره يسري على الجميع.
أخرج ورقة وسجل فيها كافة الأقوال والتفاصيل وطلب مني أرقام التواصل والعنوان وزودته بكل شيء على أمل أن يتصلوا بنا في أقرب وقتٍ ممكن.
على يقينٍ تام كنت بأنهم لن يتصلوا وأنه يتوجب علينا متابعة الموضوع بشكل شبه يومي لضمان استمرارية الدعوة.
سألني ألم تعرف لماذا كسر الجاني سيارتك؟
قلت له كلا وما يدريني أنا، ألستم رجال القانون؟
عد بالشريط إلى الوراء في ذاكرتك " سي أحمد " حينما دخلت " الحومة"
ألم تشاهده يتعارك مع " بائعة الزهور"؟
(هي ظاهرة يشاهدها السائح كثيراً، وهي عبارة عن مجموعات من البائعات المتجولات والباعة يحملون باقات ورد وبعضهم يبيعها بشكل منفرد).
نعم يا سيدي رأيته واقفاً مع إحداهن وعدتُ بالسيارة إلى الخلف وغيرتُ مساري تفادياً للعراك الذي وقع بينه وبين تلك الفتاة.
أوضح لي الضابط بأن الدماء التي كانت على وجه الجاني والضربات كانت حصيلة عراكه مع الفتاة !
وحينما رأيته هكذا مهاناً " في وجهة نظره" وبأنه اصبح " حديثاً" وقصة تروى على كل لسان أقدم على جريمته!
وما ذنبي أنا إن كان قد هُزِم من أنثى وصرعته وجرحته؟
تعجبُ حقاً من هذا الأمر ويدور في خلدك ألف سؤالٍ وسؤال، عبثاُ حاولت ترميم تصدعات حائط فكري الذي تشقق من أثر أمطار الحيرة والدهشة.
أحقاً بلغ الحقد في البشر بأن يهشم أحدهم زجاج سيارتك لأنك رأيته في وضعٍ لا يحسد عليه من الضرب المبرح على يدِ أنثى؟
ابتسمت في وجه العقيد وضحكت حتى شاطرني الضحك بصوتٍ مرتفع، إنه ضحك الحمقى الذين لا يدركون ما يدور حولهم، ضحك الصم البكم الذين يرقصون وسط عرسٍ لا يعرفون فيه أحد.
قدم إلي الشاي ومد لي بأعوادِ مفخخة بالنيكوتين، رفضت التدخين وشربت الشاي وظلت زوجتي مع " فاطيمة" تنتظر عودتي وخروجي من مكتب العقيد.
اسمع يا "ساري" لا يخفى على كلانا بأنك قديمٌ عهدٍ بالبلد والدلائل واضحة والتقرير يوضح بأنك عاشق للمغرب (تقرير)؟ هل وصله بيان من الجوازات بهذهِ السرعة؟ أم هو مجرد تخمين؟ أم تظهر على ملامحي الساهرة حتى الفجر علامات عشق المغرب؟
أردف قائلاً: خطواتك الثابتة، لسانك السليط، اتقانك للدارجة المغربية، طبعك عاداتك، انفعالاتك كلها تشير إلى عشقك الشديد وحبك لنا.
يا سيدي الفاضل، تحياتي لك وأحر التهاني لامتلاكك حاسة سادسة وفراسة شديدة، ألم تنبهك فراستك بأن المجرم لديه سوابق؟
دهش الضابط وأنزل نظارته الطبية، أنت " خاطير" ( خطير).
تماماً كملاكمين في وسط حلبة أنا والعقيد هكذا همس لي عقلي الباطن لسرعة قراءته أفكاري ولقراءتي أفكاره، قام لمعانقتي بحرارة وضم على كفي بشدة، استغربت لفعله وسط هذه المعمعة.
اسمع يا ساري، الرجل يتيم الأبوين وذاق من المُر مالم يذقه أحد، لقد ولد لعائلةٍ ثرية ثم تم الحجر على أموالهم وممتلكاتهم، فهم من المؤسسين القدامى لهذهِ الأرض (عين الدياب).
فلقد قاموا بإعطائه بعض الحبوب وأنت تعرف بقية القصة!
انظر إليه بعين الشفقة والرحمة وأعدك بأن يصلك مبلغ إصلاح الزجاج بأسرع وقتٍ ممكن، ولا تنس بأن العيد الكبير " عيد الأضحى" تبقى عليه بضعة أيامٍ فقط، ولن يكون لديك الكثير من الوقت لمتابعة القضية.
إني لك من الناصحين!
قد يكون الوضع فعلاً كما تقول، لكني أراك تحاول استعجال الموضوع وتهدئة الوضع كي لا تنشغل كثيراً قبل خروجكم للإجازة.
- الأمر عائدٌ إليك يا ساري.
- حسناً لنواصل الإجراءات.
- واخا

خرجتُ من مكتبه إلى زوجتي التي نسجت بعض الروابط مع تلك الضابطة " ضابطة الاتصال" وأنا تماماً كأني في جو جنائزي ترقصُ فيه صغيرات جنياتي وعجائزي!

خرجنا من القسم، على أمل عدم اللقاء بهم مجدداً وسيل من الدعوات والأماني بأن لا تطأ أقدامنا هذهِ البقعة مجدداً لا طالبين ولا مطلوبين.
" الشرطة ورطة".
الورطة القادمة هي بأننا سنضطر لإبقاء السيارة قرب باب المنزل ولن ندعها واقفة بالخارج، فضعاف النفوس في هذا الحي الشعبي عددهم يرعبك.
ما أن أوقفت السيارة حتى ساعدني " السيمو" (سي محمد) على ترميم الزجاج وترقيع ما يمكن ترقيعه من خلفية السيارة.
نسيت أن أقول بأن المجرم هشم الزجاج بجذعِ شجرة عريض جداً (لا زلت في خلجات نفسي أتساءل: كيف استطاع قطع الجذع!!
سألني عن الحادثة وكيف وقعت وتفاصيل كثيرة، قاطعته قائلاً: محمد سألتك بالله دعنا نكمل ما بدأناه وستأتيك القصة لاحقاً.
الفجر الجميل اقترب، وقلبي المسكين بالحزن اشرأب
ارتقبُ طلوع شمس يومي ولقد مات موعد نومي
اجمع براعم الشروق بين الشقوق
رحالٌ أنا لوطنٍ بداخلي
اغترب!

في الصباح الباكر اتجهنا إلى محلات إصلاح الزجاج، واستعلمنا عن الأسعار والتفاصيل والوقت المتوقع للإنجاز.
دخلنا إلى أول محل واتفق معنا على أن نعود إليه بعد ساعةٍ كحد أقصى وشرحتُ له المسألة وما وقع ليلة الأمس.
قال تمهل !
السعر الأساسي (2000) درهم، لكني سأسجل لك في الفاتورة 3500!
لماذا يا سيدي الفاضل؟
كي يتأدب المجرم

كلا كلا لا أريد أن احمل وزره ووزرك إلى يوم الدين.

عدتُ في الصباح الباكر بعد أن تم الانتهاء من إصلاح الزجاج إلى مقر الشرطة، لمعرفة أي تحديثات طرأت على القضية، أو على أقل تقدير قد يحدث تطوراً في النظام البيروقراطي المتعب.
حينما رمتنا الأمواج إلى ضفاف مركز الشرطة، قالت زوجتي: لنعد إلى المنزل!
ماذا بشأن الفاتورة؟ ألن نسلمها لهم؟
سيرزقنا الله من فضله.
فوضت أمري لله واستخرتُ وأدرنا محرك السيارة واتجهنا إلى مكانٍ نزجي به سويعات الصباح.
- ما الأمر؟
- لا شيء، الإجراءات لدينا في المغرب طويلة جداً ولن تؤتي ثمارها كما يخيل إليك، فأنت في نظرهم سائح وستعود إلى بلدك، وستضطر إلى توكيل محامٍ لمتابعة القضية.
- المبلغ لن يغير في الواقع شيء سيكلفنا المحامي مبلغاً أعلى.
- نعم يا ساري، هيا لنتجه إلى أحد المطاعم القريبة لنتناول الإفطار البِلْدِي.



ساري أحمد 16-04-2026 01:35 PM

توادعنا تواعدنا سيّر وخفّف
مغربٍ تعشقه ولا له تعاف
تراني راهنٍ قلبي ومتسلّف
دمعة ولهانٍ بالأرض طوّاف


:e032:

آخـــرفـــرصـــة 17-04-2026 02:51 PM

أنظمة بيروقراطية عجيبة غريبة
بس برافو عليك اتقان اللهجة لأنها ما هي سهلة
ما أتوقع تحصل على أي درهم لطول الاجراءات
لكن البلاغ واجب لحفظ الحقوق

:59:

محمد محب للسفر 17-04-2026 11:57 PM

يا مغربَ الأحبابِ والخلانِ – فيكَ الشفاءُ لعاشقٍ ولهانِ
بلدَ المحبَّةِ والسلامِ تحيَّةً – يا زينة َ الأوطان والبلدانِ
يا مغربَ الخيراتِ يا نبعَ الوَفا – جئنا إليكَ بأروعِ الألحانِ
أنتَ السَّنا والحبُّ..عنوانُ الندى – يا معقلَ الأخيارِ والشُّجعانِ

ساري أحمد 19-04-2026 08:07 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة آخـــرفـــرصـــة (المشاركة 628382)
أنظمة بيروقراطية عجيبة غريبة
بس برافو عليك اتقان اللهجة لأنها ما هي سهلة
ما أتوقع تحصل على أي درهم لطول الاجراءات
لكن البلاغ واجب لحفظ الحقوق

:59:

ولا ريال !
ولا حتى تفكر هههههههههههههه
بالأصل طول الاجراءات يكلفك أموالا طائلة هائلة
فتقول: ليه الشقا !

اشكر لك حضورك الدائم
وترقبوا الصور وتكملة التقرير بإذن الله:e306::e306::e306:

ساري أحمد 19-04-2026 08:12 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد محب للسفر (المشاركة 628383)
يا مغربَ الأحبابِ والخلانِ – فيكَ الشفاءُ لعاشقٍ ولهانِ
بلدَ المحبَّةِ والسلامِ تحيَّةً – يا زينة َ الأوطان والبلدانِ
يا مغربَ الخيراتِ يا نبعَ الوَفا – جئنا إليكَ بأروعِ الألحانِ
أنتَ السَّنا والحبُّ..عنوانُ الندى – يا معقلَ الأخيارِ والشُّجعانِ

مبدع
جميل،واضح بأنك عاشق للمغرب
والصمت سيد الموقف.
:e030::e030::e030:

ساري أحمد 19-04-2026 10:28 AM

صور سريعة للجولة في عين دياب


https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8355908991.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8355930825.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8355936596.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8355943697.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8355950588.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8355957339.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...3559724412.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...3559790513.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...8471615011.jpg

https://www.arabtrvl.com/up/uploads/...3559898115.jpg

( جامع الحسن الثاني)

محمد محب للسفر 20-04-2026 12:59 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ساري أحمد (المشاركة 628389)


مبدع
جميل،واضح بأنك عاشق للمغرب
والصمت سيد الموقف.
:e030::e030::e030:

صديق لي اسمه بشير تعرفت عليه عام 2006 ونعم الرجل ونعم التربيه ونعم الأخلاق العاليه شخص واحد يحببك بملايين المغرب العربي ♥♥🙏

ساري أحمد 03-05-2026 01:02 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد محب للسفر (المشاركة 628403)
صديق لي اسمه بشير تعرفت عليه عام 2006 ونعم الرجل ونعم التربيه ونعم الأخلاق العاليه شخص واحد يحببك بملايين المغرب العربي ♥♥🙏

:e304::e304::e304:
تذكرت بشيراً آخراً كان يخدمنا في " خيمة حياة ريجنسي"
كان رجل اربعيني في ذلك الوقت.
مضت تلك الأعوام مثخنة بجراح الذكرى.

شكراً لك

آخـــرفـــرصـــة 11-05-2026 02:28 AM

يا سلام على جمال اللقطات

مبدع دوماً

:59:


الساعة الآن 10:18 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO