اليوم, 11:31 AM
|
#4 |
خبير المغرب
تاريخ التسجيل : Jan 2015 رقم العضوية : 1142 الدولة : Morocco الجنس : ذكر المشاركات : 3,169 | أوسـمـة: ساري أحمد |
كل الاوسمة:2 (more»)
| | صوت الطيار أصبح في تلك اللحظة كصوت قيثارة الشرق كصوتِ الأرض "طلال مداح" رحمه الله
نعتذر عن التأخير الخارج عن إرادتنا نظراً للتوجيهات الصادرة بهذا الشأن، بسم الله توكلنا على الله.
المسكين لا يعلمُ بأني هناك قد اختلستُ النظر في مطار الملك عبد العزيز الدولي بنظرةٍ استباقية للوضع الذي سنمر به ولسان حالي يقول: لا تعلم أيها المسكين بأننا في طريقنا إلى مطار أكبر ولدينا مواصلة للرحلة وإجراءات إضافية!
من الطبيعي أن تنعكس التوقعات التي أعمت بصيرتي على معدلات الصبر لدينا بعد وصولنا إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي، لكن الواقع يجعلك تتعلم بأن الحقيقة طعمها لذيذٌ في النهاية مهما حصل فتلك إرادة الله عز وجل، فهو عالم الغيوب والخيرُ دائماً فيما يختارهُ الله.
بعد أن وصلنا المطار توجهت مباشرة إلى لوحة الرحلات المغادرة لمعرفة بوابة الإقلاع إلى الدار البيضاء وبالرغم من متابعتي للتحديثات للرحلات في الموقع الالكتروني للمطار إلا أن النظر إلى لوحة الرحلات بها متعة وشيء من جنون.
الرحلة كانت مجدولة بالتوقيت المحلي (8:25) صباحاً (كانت رحلتنا من الدمام الفجر الساعة 4) ومدة الرحلة ساعتين وعشر دقائق إلى جدة، فالوقت الذي خسرناه بسبب التأخر في الإقلاع كان قرابة (45) دقيقة.
وكانَ لزاماً علينا أن نتجه إلى الصالة “T1” والبوابة المعلنة كانت آخر بوابة في تلك الجهة، الأمر الذي زاد من حدةِ اليأس بداخلي.
ولما بلغنا التفتيش الأمني " الجمارك"، وجدت الزحام العجيب والتكدس بين المسافرين في ظل عدم تحرك سير الأمتعة وبرودة الموظفين والانتظار الطويل.
صدمة تلو الأخرى صفعة تلي أختها، اشاهدُ زوجتي والأبناء وابتسم لهم لتخفيف وطأة التعب وعلامات السهر على ملامحهم، وفي تلك اللحظة أعلن بالمذياع الداخلي تقديم الرحلة إلى الساعة (7:55) دقيقة!
على السادة المسافرين إلى الدار البيضاء التوجه إلى البوابة (A43D)، هذا النداء الأخير للسادة الركاب المسافرين إلى الدار البيضاء.
(لا قلت باكر صار أمس.. وتمر بي شمسٍ وشمس)
حينما رأيتُ سير الأمتعة لا يتحرك، أشرتُ إلى الموظفين بالبوابة بأن الوضع يحتاج إلى السرعة، الموظف كانت الابتسامة على محياه بينما الموظفة كانت تنظر إلى وكأني طليقها الذي استولى على ذهبها وأموالها وعقاراتها!
قال لي ضاحكاً: الكل سيسافر لا تخف ولا تبتئس يا عزيزي، إلى أين وجهتك؟ قلت: الدار البيضاء!
أشار إلى بيده أن اقترب، فلما اقتربت منه همس قائلاً (خذ عائلتك واتجه إلى المسار الأخير، ولا تنس أن تزور الرباط وتسلم عليها وعلى من فيها)! عدني يا صديقي فوعد الحر دين!
هُنا تبددت كل الهموم وجحافل الخوف انهزمت وانسحبت، أعلنت النصر وما التوفيق إلا من عند الله
هيا يا عائلتي الجميلة إلى ذلك المسار.
قالت ابنتي مريم: البوابة ستغلق بعد خمس دقائق! قلت وما يدريك يا بُنيتي؟ قالت هكذا وجدت الاشعار في تطبيق الخطوط السعودية، لا عليك يا مريم دعي عنك الوسواس " شف من ينصح "
لما وصلنا إلى البوابة فإذا بقوافل المسافرين إلى الدار البيضاء يظهرون كأنهم أجنحة أو مجاديف تبحر بنا إلى الأمل، هنا وضعت راية السكون والارتياح وكأني على قمة جبل إيفرست!
الآن من أرادَ مني شيئاً فليطلبه فإني ملبي طلباتكم جميعاً (سبحان الله وأنا الذي كنتُ قبل قليل لو خاطبني أحدهم لشققتُ أرضه ورميته في قعرها)!
اخرجتُ عطري وقلبي معه، داعبت قطرات العرق جبيني فرحتُ أضمخُ كفي برشةٍ خفيفة درءاً للتعب وتنشيطاً للبهجة.
أمامي قرابة الـ(50) مسافر، لا بأس إنها آخر جولة في معركة السفر، صعدنا إلى الطائرة وباتجاه المقاعد المخصصة لنا وبحكم كوننا عائلة فالاختيار يكون محدداً، وتلبية لرغبات الأطفال فإن أفضل مقعد لديهم بجوار النافذة.
تفحصت بطاقة الصعود فإذا بمسافر يحتلُ مقعدي والآخر في مقعد ابني، لم أخاطبهم واتجهت إلى المضيفة لأشرح لها الوضع، الأول نظر إلى بطاقته فقام من مكانه معتذراً، أما الآخر فأخذ ينظر إلى بغرابة وعدم مبالاة.
قلت له: سيدي الكريم إن هذا المقعد مخصصٌ لي فأجابني: وهل هنالك فرق!
قلت نعم يوجد فروقات وليس فرقاً واحداً فبعد العناء الذي عانيته والتعب فأكبر جائزة لي هي هذا المقعد.
قال: الدنيا رمضان واللهم إني صائم!
قدم المضيف مشكوراً وأوضح له الصورة فأجاب: هذا مقعدي حجزته مسبقاً بالقيمة كذا وكذا ولن أتزحزح قيد أُنملة عنه!
في داخلي رجلٌ يقول كما نقول" اغسل شراعه" لكن صوت العقل وهمسات الأهل: دعهُ وشأنه المهم أننا بخير والطائرة ستقلع الآن..!
حسناً لا بأس، اجلستُ ابني في الوسط وأنا بجوار الممر وتجاوزت الغضب المكتوم والإرهاق وكافة تفاصيل ما قبل السفر.
الصور ستأتي لاحقاً إن شاء الله ويعلم الله بأني آثرت الكتابة والبوح نظراً لتآكل الأحرف في مخيلتي لحين اعداد الصور وسرد الأحداث.
بعد ان استقرت الطائرة بين جنبات الغيوم وارتفعت معدلات السعادة وهرمونات الجُنون، قدموا لنا وجبات غداء وبحكم السفر ورخصة الفِطر فالبعض افطر والغالبية لم تأكل.
بجواري على اليمين " وسط الطائرة" رجل كبير بالسن يقاوم الجوع والعطش والمسكين وضع نظارته على عينه كي لا يرى الأطفال وهم يتناولون وجبتهم، ابتسمت وارتسمت على محياي تلك النظرة، وهمس بداخلي صوت: أحقاً البعض ينظر إلى من يفطر في رمضان ولو كان على سفرٍ بـأنه أقدم على كبيرة من الكبائر!
كان هنالك العديد من وسائل الترفيه المقدمة من قبل الخطوط السعودية علاوةً على بعض الألعاب والقرآن الكريم وأشياء لا باس بها.
أما أنا والنوم فلا صداقة بيننا على متن الطائرة، وتظل عيني ترقب الوضع مع الأطفال وأمهم في حال احتياجهم لأي شيء، إلى حين نومهم على أقل تقدير فإني أبقى على أهبة الاستعداد كمن يحرس الثغور ولا تذوق عينه ولا تطعم بالنعاس.
بعد اقترابناً من الأجواء المغربية قدموا وجبة خفيفة عبارة عن قطعة بيتزا " رأيت البعض يقاوم العجينة ويصارعها لينال قضمة" أو يخفف من عناء الجوع فالوضع ليس بالهين فهي رحلة طويلة.
استعداداً للهبوط وتعليمات النزول ومواويل المذياع والإجراءات الدائمة كلها تطربني وتسعدني، كيف لا ونحنُ على عتبةٍ واحدة لعناق أرض الأطلسي وجبال الأطلس.
كنت أخشى أن يتأخر العفش أو يكون المطار مزدحماً لكن لا مشكلة لدينا، فالسيارة جاهزة ومنزلنا ليس ببعيد عن المطار حتى لو نزلنا متأخرين من الطائرة.
وهذا إجراء اعتدناه بأن نبقى جالسين لحين نزول كل الركاب على أقل تقدير ومن ثم متابعة المسير إلى صالة المطار.
ما دام معاي القمر مالي ومال النجوم
مالي ومال السهر مالي ومال الهموم..
استيقظ الأبناء بشق الأنفس ولا غرو، فالتعب أخذ منهم ما أخذ ومحدثكم بين العذابات والآهات والزفرات، أريد معانقة الدار البيضاء أريد أن انعم بالهواء النقي ولا مكانَ للكسول هنا ولا الشقي.
لتأخذوا تعبنا واعطونا من الراحةِ ما بقي، وأمطروا واستمطروا ما شئتم فنحنُ من أمطار الانتظار بمظلات العناق نتّقِ.
كعادة الخطوط السعودية حينما تصل إلى مطار محمد الخامس بالدار البيضاء فإنها تفرشُ لنا جسر المسافرين وتكفينا شر الحافلات ووعثاء السفر بخاتمةٍ جميلة.
أجمل دفعة هواء نقي واوكسجين يحي القلب هي تلك النفحات التي تلجُ من بين الفتحات بالجسر، وتلك البرودة المنعشة التي تغذي جسمي وعقلي بما احتاجه من عاطفةٍ ومشاعر وأحاسيس وإلهام أيضاً لقضاء أجمل الأيام في المملكة المغربية.
دخلنا إلى صالة المطار للجوازات، فإذا بالصالة ممتلئة نسبياً بالمسافرين وثلاثة أرباعهم من أهل البلد ونحنُ نعتبر قلة في هذا الوقت.
قدم أحد الموظفين حينما رآنا عائلة بالإضافة إلى وجود طفلة على عربة أطفال ففتح لنا مساراً مخصصاً للعبور السريع دون تحمل أي رسوم.
جزاهُ الله خيراً عنا هذا النبيل، أتراهُ حقاً رأى على ملامحنا الإعياء وأدرك تعب المسافات وطول الوقت، أم تراهُ رآنا غرقى في دياجير الحنين!
لا أعلم لكنه تدبير العلي الحكيم.
وصلنا إلى نافذة الجوازات وقدمناه له، لم يطل الأسئلة ولم يحاورنا كثيراً، وبارك لنا الشهر " عواشركم مبروكة" وع سلامتكم ومرحبا بيكم، نهار كبير هاد.
يا لهذهِ الكلمات!
تصرعك من أول جولة في حلبة المغرب الجميل، تبقيك في سكرةٍ عاطفية تراجيدية، ابتسامة عريضة وألف شُكر لك أيها الشهم.
سابقاً كان يوجد موظف يفحص الجوازات بعد انتهاء إجراءات ختمها في النافذة، لكني لم أجد احداً يفحص الجواز وأكملنا المسير إلى استلام الأمتعة.
غالباً ما يكون التأخير سيد الموقف، هكذا رسم لي العقل الباطن، فهي عادة متأصلة لديهم هنا بالمطار.
لكن خاب ظني وكان استلام الأمتعة سريعاً للغاية في وقت قياسي لم يتجاوز 5 دقائق!
سبحان الله !
مطاراتنا كانت عابسة وهنا المطار بشوش فرح مرح يعالجك ويدفئ جسمك المحموم اشتياقاً، هل هي معادلة أم تحيزٌ للمغرب؟ أم هو الهذيان؟ أعوذ بالله من الشيطان...!
نظراً للانزلاق الغضروفي الذي أمرُ به مؤخراً فإني كلفتُ أحد الموظفين بدفع عربات الأمتعة إلى بوابة الجمارك واكتفيتُ بحمل الأشياء الخفيفة، لم يطلب الموظف سوى "100" درهم وهو مبلغ اعتبره بسيطاً للغاية كونه يحمل "10" قطع مقسمة على أكثر من عربة.
قلت له: تجاوز الجمارك وسأزيدك "100" أخرى، ابتسم قائلاً: واش ما عقلتي عليا ؟
" ألم تتذكرني" قلت: بلى اذكرك من آخر رحلة والآن عرفتك أكثر بعد أن كسرت الصمت بسؤالك.
تجاوزنا الجمارك بعد أن أمروا حامل الأمتعة بأن ينزل جزءاً منها للفحص كإجراء اعتيادي روتيني.
انظرُ إلى الباب كالمجنون، كالطفل بل كالطير وسط القفص يرغب بالهروب ومعانقة السماء وتقبيل الأرض
كأن الهواء بالخارج رغيف وأنا الجائع الذي لا يعرف بأي طرفٍ من الرغيف يبدأ.
وخشيتُ الغصة وخشيت الغرق
فمشيت كالجريح
وغلبني الأرَق..
ابنائي يسابقوني إلى الباب، إنها العدوى العاطفية والعشق المُباح والسحر الحلال، قالت أم ريان " من شابه أباه ما ظلم".
دعيهم يا عزيزتي فحب الأوطانِ من الإيمان. | توقيع : ساري أحمد | | تولعت بالمغرب وصابني (هبال)..!
مصيبة لا كتمت الشوق مصيبه..!
دارها البيضا مضرب الأمثال..!
في صخبها والصمت (كازا) عجيبه..!
| |
| |