31-01-2019, 02:27 AM
|
#4 |
خبير البوسنه
تاريخ التسجيل : Jan 2015 رقم العضوية : 1290 الدولة : السعودية الجنس : ذكر المشاركات : 113 | . . وفي الصباح الباكر للسابع والعشرون من شهر نوفمبر للعام الثامن عشر بعد الألفين الميلادية، وبعد الصلاة والأذكار .. فتحت فطائر جاهزة من بقالة ، كنت جلبتها بالليلة الماضية من البقالة ، وتشبه فطائر لوزين "حلّة ريق" .. وعصير .. وبعدها الكوكايين الأسود الذيذ .. إنها القهوة"الإسبريسو" التي تجري في عروق الرائعين أمثالي ! .  جلست في الشرفة لفندق "الفورسيزون" ،وبالتحديد بالطابق الخامس عشر المرتفع .. وكنّا على غرّة دخول الشتاء وخروج الخريف .. والجوّ بارداً بغير ضرر .. ومنعشاً بأطنانٍ من الأكسجين النقيّ .. كنت أحتسي قهوتي وجليستي زوجتي العزيزة نتناقش .. نتحاور .. نتجاذب أطراف الحديث .. لأننا "مدمنين على الشرفات" .. وجوّنا من الأخر هو القعود مطوّلاً في البلكونات .. ونبتديء يومنا وننهيه في شرفات الفنادق .. أجاركم الله من هذا الإبتلاء ! . . نزل شهريار في كامل أناقته ، وتصحبه رفيقة دربه متأبطة ذراعه .. من غرفته لبهوّ "لوبي" الفندق الذي تحرس بوابته الشرطة المصرية .. تبتسم لهم ويبتسمون لك ، ويفتحون لك الباب لتخرج ، فتصاب بنشوة وزهوّ كأنك أميرٌ من الأمراء .. فأنا في الأخير إنساناً تؤثّر فيّ الفخامة للأسف! . وقفت أطلب تاكسي من تطبيق "كريم" .. وخلال بضعة دقائق يحضر الكابتن محمود ، وهو طيب المعشر .. مصرياً يحب التحدّث للغرباء .. فدخلت - السيدات أولاً- من شهامتي ثم لحقتها وجلست بجوارها نكمل حديث الشُرفة! وما أنطلقت بنا المركبة في طُرقات القاهرة الفسيحة ،وشبه الفارغة بسبب أن الساعة كانت لم تتجاوز التاسعة صباحاً ! فما أجمل التبكير والبكور والسياحة النهارية .. كنت أتحدث مع زوجتي وأناغشها وكمل الكلام مع الأسطى "محمود" بكل أخوية في حين تلفحني نسمات الهواء شبه الباردة .. المنعشة للغاية .. وبإستراقي للنظر للشوارع والأبنية والميادين .. وشرح السائق لما نراه من معالم وتسمية هذا وذاك .. وجدتني جذلاً .. فرحاً .. خفيف الروح .. مقبلاً على الحياة .. أي بالعامية شعرت بالونسة جداً! . لم نواجه زحاماً حقيقاً أو بطيء بالحركة عندما بدأنا بالوصول لمركز المدينة القديم وللعتبة وباب اللوء والمدافن والباطنية - متأثر بالأفلام المصرية - ثم وصلنا لباب قديم وأثري ، أخبرنا السائق بأنه باب "الفتوح" .. وكأنه يوقظني من منامي ولهوي وعبثي ! إنه باب "النصر" وباب الفتوحات للجيوش الإسلامية الغازية .. نعم ،تذكّرت الأن! .
 . ولجت المركبة لمنتصف شارع المعزّ لدين الله .. فنزلنا هناك ومحاطين بالأبنية القديمة الجميلة .. مشيت قليلاً اتأمّل فيها وفي طريقة بنائها وحجارتها من الخارج .. فوقفت عند باب مفتوح على مصراعيه لأحد الأبنية .. فناداني رجلاً من عامة الناس ،وطالبني بتذكرة الدخول التي لم تكن معي .. فأكتشفت بعد رؤية لطاقته أنه من شرطة السياحة .. وأنه سيخدمني ويشتري لي التذكرتين .. وبالفعل ،أعطيته خمسين جُنيهاً وأرجع لي الباقي .. وسألني عن رغبتي في أن يكون مرشداً لقصرٍ عظيم بجوارنا. .
 . مسجد أو مدرسة أو قصر السلطان "الظاهر برقوق" من أروع ما رأيت في حياتي .. فبعد أن نفحته مبلغاً من المال ليرشدنا ويشرح لنا .. أذهلتني الهندسة وطريقة الحياة وسرّ الصناعة للحوائط والأبواب والأسقف .. وجمالية الصوت والصدى والزخرفة وأهداف الدكة الخارجية .. والإيوانات الأربعة للمذاهب الفقهية .. ولأنني حنبلياً متعصّباً فقد كنت أبحث عن إيوانهم .. وأدخل فيه ويكأنني أرى الشيخ الحنبليّ يدرّس المذهب لتلاميذه .. وكنت أخبر المرشد بغيظي -ببراءة وممازحة- بأن المصريين متعصبين للشافعية .. فإيوانهم مطلياً بالذهب مزخرفا وكبيراً جداً! وبقية الإيوانات ليست كذلك .. رأينا الساحة والشراحة والبنيان الذي أذهل كل السيّاح من كل الملل ! من ناحية الصدى والهندسة الصوتية والفسيفساء والرخام والأعمدة العجيبة وغيرها من الأعاجيب !  . دخلنا منطقة خاصة .. فأخبرنا المرشد بأن هذه قاعة خاصة للقاضي عند السلطان برقوق .. يقضي بها القضايا الكبيرة .. وكان الرجال وخصومهم يجلسون أمامه ،وأما النساء فلهم غرفة فوقه لها نافذه مطلة على القاعة .. فهو يسمع صوتها ولا يراها .. حتى لا يتأثر بجمالها ! . خرجنا لمسجد بجواره ومرشداً أخراً ينتظر بقشيشاً ليرشدنا .. وهكذا حتى أنتهينا .. كمسجد السلطان قلاوون .. ولكن أكثر ما جعلني أصارع دموعي من النزول .. هي قبة الصالح نجم الدين أيوب ،زوج شجر الدرّ .. . . أذهلتني .. صدمتني .. جيّشت في داخلي أعنف المشاعر .. كنت أفرح وأحزن .. وأضحك وأصارع البكاء .. كنت أزهو وأشعر بالخزي .. مشاعر متناقضة صنعتها زمانين مختلفين بين ماضيّ عظيم وحاضر مؤسف ضعيف .. بين أمة كانت رائدة متقدّمة وبين أمة متأخرة مأكولة من أكلة ينهشوها ليل نهار ! . . وهنا سكت "شهريار" عن الكلام المباح .. ليكمل الحكاية في الليلة التالية ! وبالطــــبع ... سيــــتبع بإذن الله | توقيع : د خيال | | وسيظل يُعيدني الحنين ..
د خــيــال ،
عاشق للسفر لحدّ الثمالة ..
رحالة .. متسكِّع .
| |
| |