06-04-2026, 01:26 PM
|
#5 |
خبير المغرب
تاريخ التسجيل : Jan 2015 رقم العضوية : 1142 الدولة : Morocco الجنس : ذكر المشاركات : 3,189 | أوسـمـة: ساري أحمد |
كل الاوسمة:2 (more»)
| | "سيدنا رمضان"
هكذا تخرجُ الجملة من أفواهِ المغاربة خصوصاً كبار السن حفظهم الله، فلهذا الشهر قدسية وقيمة كبيرة لدى أهل المغرب الحبيب والكل يسعد ويفرح بهذا الشهر الكريم كحال كل الشعوب الإسلامية في الأرض.
كانت الأجواء ماطرة والسماء في أجمل حللها، بهيةٌ نقية ندية، تحلمنا إلى حبٍ كالأبدية، لحظات جميلة تمر سريعة على خشبة مسرح الواقع.
نظراً لكثرة الأمتعة لدينا فكان لزاماً علينا طلب سيارة أخرى، وكان التنسيق مسبقاً مع الأهل بالمملكة المغربية لإحضار مركبتهم الخاصة (كان التنسيقُ ينص على عدم إخبار كبار السن بقدومنا) وجعلها مفاجئة لهم، ومع تزايد الأوضاع بالمنطقة فإن الخوف استشرى في نفوس الأهل هنا وبين أخبار وإشاعات تصلهم فاصبحُ الوضع لديهم أشبه بحلقةٍ مفرغة يتخبطون وسطها، لدرجة بلغت بأنهم لو هاتفونا ولم نجب على اتصالهم بالحال اصبحُ لديهم الوضع متأزماً.
الطريقُ إلى المنزل كسته الزهور الربيعية، ما بين خزامى ونفل وبابونج، وتلك النسمات الأطلسية والمطر
كلها تجعلك تعقد لسانك وتتأمل، كمن خرج لتوه من الزنزانة ولا يرى غير الحائط والظلام، أصبح الآن يمتع ناظره بما لذ وطاب وما حضر وما غاب.
الشريطُ يريد أن ينتهي طوال المسار، والزحام أمامنا، أهلاً بكم في الدار البيضاء (لماذا يا محمد لم تلج المسار الأيمن المتجه إلى منزلنا)؟!
إنه الكرم المغربي يا سادة، توجه بنا إلى منزلهم مباشرة وبرغم الاتفاق على عدم إخبار الأهل إلا أنه كسر البروتوكول المعد سلفاً، وهذا ابسط حقوقه.
الأجواء باردة جداً مقارنة بالشرق الأوسط، حيث كانت درجة الحرارة 10 درجات مئوية والساعة كانت تشير إلى الواحدة ظهراً بتوقيت الدار البيضاء.
كان بالطريق حادث شاحنة انقلبت مما أدى إلى تغيير المسار الأخير قبل بلوغ نقطة وصولنا، تحديداً إلى حي ليساسفة"3"، الأمر وارد ومتوقع فالبشر في هذا الطريق تتكدس كما يتكدس الورق في رفوف بعض الكسالى.
شددتُ من أغلال الأناقة قليلاً وضبطت قيود العشق، فأنا هنا أساقُ على معشوقتي كالسجين الاختياري ليست المسألة عبودية بل هي حُرية على طريقة السقوط للأعلى!
بل الهروب إلى الأمام، لا مفر من المعشوقة لا مَفَر
فريح الحنين لا تبقِ ولا تذر..
فمن كان عاشقاً ولم يكن آبقاً
على ملةِ المجانين
فليستقر...!
نشيخُ والمغرب بداخلنا لا يشيخ، تتصدع أفكارنا وتذبل أحرفنا لكن المغرب يتجدد، يتوسع ثم يتمدد كأمل الشفاء بداخل السقيم يتجدد.
الناس في هذا الحي " ليساسفة" أفواج وأمواج، وبالرغم من أنه شهر رمضان المبارك إلا أن الحركة فيه مستمرة ودائمة كخلية نحل.
في مدخل الحي هنالك "إشارةً" كالمومياء وضعت فقط كمزهرية شمطاء في زاوية صالةٍ شابة!
وبينها وبين الشارع المفصلي قرابة العشرة أمتار، في منحنى خطير لا يمكنك تجاوزه إلا بعد أن تتأكد تماماً من خلو الشارع الرئيسي والشارع الفرعي من كل شيء.
نعم تتأكد من كل شيء، فهنالك سيارة متهورة، وشاحنة تطير كالفراشة! وعربة تجرها الخيول لكن ليست سندريلا على متنها، بل رجلٌ منفعل طائش متهور، والعاقل بينهم تجده يشتمك بأدب!
وإن كنت ذو حظٍ عظيم فسيخرج لك أحد " الخطافة" وتعني " من يحمل الركاب بلا تصريح أو رخصة قيادة" وكما يقال هنا " كداد"!
أما من دعت له والدته بالسلامة من كل سوء فإنه سيتجاوز الطريق الثاني من جهة اليمين ليتلف ويتلف بعد صبرٍ إلى المسار الأيمن البعيد، الركن البعيد الهادئ!
في أول الحي على اليمين هنالك مقهى "زكريا" ذلك المقهى العتيق الرابضُ كصاحب أهلِ الكهف، وعلى الجهة المقابلة له مشاريع جديدة، وهو عبارة عن عمائر سكنية بالإضافة إلى " مستشفى" سيتم تدشينه بعد مضي أكثر من "20" سنة على إغلاق آخر مستشفى كان بالحي، والحمد لله لحق الحي بهذا الإنجاز الاعجازي بعد شراء الأرض من ورثة رجل ملياردير.
في هذا الحي وبالرغم من أنه تجاوز مرحلة الأحياء الشعبية، فهو عبارة عن تركيبة وتوليفة نادرة من البشر، وفوق هذا كله فإنه يشدك ويجعلك تتأمله وتحبه، فالجُرح وإن كان بداخلك فبعد وقتٍ سيبرأ.
وكما قال أبو سامي " عبد الله السالم"
كل جرحٍ لا مضى وقته يطيب.
تجاوزت مقهى زكريا ثم رأيت الطبقة الكادحة من مهندسي السيارات والميكانيكا وبعض المحلات التجارية الصغيرة "حوانيت"، وتلك الصيدلية التي حينما أراها كأني أرى زهرةً في وسط مفازة.
لماذا هذا التهميش الممنهج لحيٍ يعتبر صناعياً وبه العديد من المصانع التي تدر المليارات؟ وتدعم الإنتاج المحلي على كافة الأصعدة.
لديهم هم الجواب ولنا الاستغراب.
اقتربنا من منزل العم " محمد" والنبضُ كنبضِ الغرقى فمنهم من يغرق ومنهم من يرقى، والميناء قريب والشمس هنا لا تغيب، يشيب رأسي والمغرب لا يشيب...!
بغرور وزهوٌ وخُيلاء نمخرُ عباب صمتنا ببعض أبياتِ الشعر وبعض الترانيم، طلاسم هي تلك الأحرف حال لقاء الأحبة، يضيع الكلام وتضطرب الأفئدة وشوقٌ يصطرخُ بقلبي حاولت أن أبعده.
بجوار المدرسة منزل الحاج محمد، الكلُ يلقي التحية فصاحبهم قدم وصديقهم جاء والخليجي حَضر فليساسفة خضراء وكلها نضر.
ما إن نزلت قدمي من المركبة حتى شعرتُ بزلزال الحب يكاد يلتهمني، المشاعر تدفعني تخاطبني: انزل عانق الأرض قبل السماء، داعب الهواء ما خطبك ما هذهِ البرودة؟
ما كل هذا التعب؟ صاحبكم قضى يومه ساهراً ولم يهنئ له بال، دعوه قليلاً يرمي بهمومه التي تثقل المنطاد
فلو رميت أثقال منطادي كلها بنفس اللحظة لمتنا من ألمٍ وكَمد.
خرج لنا الحاج محمد (كاميرا المراقبة رأيتها معلقة على حائط المنزل) آهٍ يا التكنولوجيا افتضحتِ أمرنا ومخططنا.
دهشةٌ مزجت بالحنين، صمت مضمخٌ بالمحبة وشيء من عتاب، الحقائب المسكينة تكاد أن تنفجر فلقد طال بها الانتظار وهي حبيسة المطارات والمسارات.
تثاقلت في خطواتي قليلاً كي اعطي المجال لأبنائي وزوجتي للسلام ومعانقة أهاليهم بالداخل وذلك لحاجةٍ في نفسي.
دخلنا إلى المنزل العامر بارك الله لهم، كان ضرباً من صروح الخيال، الزوايا بها إضاءات رمضانية وفوانيس وكتابات وأدعية وأذكار، الضوء يتراقصُ في عيني لكني لم أستطع مجابهة الضوء الخافت المتدافع في حرم عدسة العين، فمحرابُ مقلتي لا يسع إلا أدمعي.
تفاصيل رمضانية جميلة بسيطة لكنها سرمدية في تلك اللحظة، رائحة الطبخ وعبق المأكولات تفوح كما يفوح الهيل من قهوتنا، لا تزال الإضاءة الخافتة تصرعني لكني في عيدٍ للشوق وحفلٍ للمحبة.
جلسنا على الأريكة، امتطينا خيول الذكرى، افرجنا عن الحقائب وما بها من محتويات وهدايا، جعلتُ الأطفال يوزعون الهدايا على أهلهم وكانت فرصتي للهروب الكبير.
إلى تلك الغرفة البسيطة استعداداً لغسل الهموم بحمامٍ مغربي بعد عناء السفر. | توقيع : ساري أحمد | | تولعت بالمغرب وصابني (هبال)..!
مصيبة لا كتمت الشوق مصيبه..!
دارها البيضا مضرب الأمثال..!
في صخبها والصمت (كازا) عجيبه..!
| |
| |