16-04-2026, 12:55 PM
|
#27 |
خبير المغرب
تاريخ التسجيل : Jan 2015 رقم العضوية : 1142 الدولة : Morocco الجنس : ذكر المشاركات : 3,189 | أوسـمـة: ساري أحمد |
كل الاوسمة:2 (more»)
| | ساد صمت رهيب في المكتب، وأمارات الدهشة ترسم لوحة ملامح الرائد خلف طاولته البيضاوية الشكل ذات اللون الكستنائي، استعديت للأسوأ من الاستفزاز بطبيعة الحال، فلقد كنتُ عنيداً سريع الضرب باللفظ جريئا غير مبالٍ بأي شيء يدور حولي، لا أزكي نفسي أبداً، لكن كما تعلمنا وسمعنا ورأينا ممن سبقونا من أهل البلد، بأن الارتجال والشدة مع رجال الأمن في بعض الأحيان تؤتي أُكلها.
هكذا إذاً أيها السعودي..
قالها بصوتٍ يخترقُ دروع الصمت المطبق الذي كان قبل قليل، قلت سعودياً كنت أم مغربياً عربياً حراً مسلماً من طنجة إلى جاكرتا، أريد رؤية الجاني فذلك أبسط حقوقي..!
حينما رأى إصراري وتعنتي معه رفع الهاتف ونادى أحد الحراس لإحضار المتهم.
في مرحلة ما بين الوعي واللاوعي، ومرحلة الصدمة والذهول وتخيل شكل الجاني وماهية وضعه، تذكرتُ حكمة والدي الأسطورية: " الشرطة ورطة".
كان رحمه الله يعني بأنك سواءً كنت طالباً أو مطلوباً فلا تخال نفسك ستدخل بدون أن يطرح عليك الكم الهائل من الأسئلة ولا تعتقد بأنك ستخرج دون أن تنهي ما بدأته.
قدم المشتبه به، رجلٌ ثلاثيني أسمر السحنة قصير القوام، به ضربةٌ على جبينه وآثار جرح حديث في أنفه، خائف مرتعد مرتبك، كأنه أسد جريح أو ذئب طريح.
رفع الرائد صوته عالياً وهدده بالضرب بيده، في لوحةٍ عجيبة مخيفة مرعبة مقيتة، ترسم لك مشهداً يعيدك إلى القرون الوسطى، حيث الرعب والخوف من القائمين على القانون.
قلتُ له: سيادة الرائد لا تنهره ولا تعاتبه، لا حاجة للتسلط عليه فملامحه تريك بأن " اللي فيه كافيه " !
ضحك الضابط: بقى فيك الدري؟!
( كسر خاطرك – الدري تعني الصغير) والأنثى " درية " .
قلت له مجيباً معاتباً: كلا لم يكسر بي شوكة ولم يحرك بي ساكناً، لكن من حالته لا حاجة لأن تزيده غماً على غم وتنكأ جراحه.
لا أريد أن تكسر أنت الإنسانية وتسيمه سوء العذاب، أليس هنالك قانون ومساطر جنائية وما إلى ذلك حسب مدوناتكم والإجراءات؟
حينما تغلغلت نظراته في عيني، بعد أن طلبت منه أن يرفع رأسه، قرأت في ملامحه شيء عجيب، مزيج من الخوف، نسيجٌ من السطوة تختفي بين حركات يديه، كُرهٌ أو حقد أو شيء من عداوة سابقة!
سألته: كيف حالك؟ هل أنت بخير؟
ولكم أن تتخيلوا المشهد، مكبل اليدين والقدمين وأنا اسأله بكل برودة عن حاله، وهو يكاد أن يتميز من الغيظ وجراحه تنزف، شعرتُ بأن ضغط دمه ارتفع وانفعاله بلغ الزبى!
سكوت لا نعمي ( - - - - - -) !
عجبي، جريح منكسر ويتنمر ويتجرأ بالسباب والشتام، شاح الرائد بنظره ثم أردف قائلاً: هل اقتنعت يا سي ساري بأنهم قومٌ لا تستطيع تطويعهم إلا بالعصى؟!
بكى المتهم بكاءَ طفل، وشهق شهقةَ غريق " عتقو الروح " كمن يطلب عتق رقبته من القصاص.
جاء العقيد من مكتبه في لحظةٍ لم نشعر بوجوده، حيث كان واقفاً عند الباب يتنصت إلى أحاديثنا وتحقيق الرائد.
قال لي: لا حاجةَ لأن تصعد الموضوع فأنت رجل " لا باس عليه" !
قلت كيف؟ قال : لا باس عليك عندك فليسات بش تصلح الزجاج المهرس!
هذا قرارك أم رأيك أيها العقيد؟
كلا مجرد فكرة، إنها ليالي العيد، دع المسكين يقضيه مع عائلته وأنت رجل طيب يظهر عليك الوقار والحكمة.
هو مسكين وماذا عني؟ هل تعلم يا سيادة العقيد بأن اصلاح الزجاج يكلف أقل شيء مبلغ (2000) درهم (40 الف ريال) ( سنتيم).
قيمة كبش العيد يا سيدي هي قيمة اصلاح الزجاج، أم لأني حسب وجهة نظرك بأني " مريش" و" لا باس عليا " و "منغنغ" تريدني أن أتنازل عن القضية؟
لا لا تذهب بأفكارك بعيداً إني امازحك فقط، ما بك تأخذ الأمور كلها بمحمل الجد؟ وش انتا مزداد في كازا؟
(هل أنت مولود في الدار البيضاء)؟
قلت الدار البيضاء ميلاد حبي وعشقي وأول أرضٍ قبلتها في رحلتي إلى المغرب خلال العقدين الماضيين.
قال: ولن تفطمك ولن تتخلى عن حبها.
سمعتُ صوت صفعة مفاجئة، مدوية سريعة خاطفة ألقت سحابتها على وجه الجاني المسكين وسيل من الكلام النابي بالإضافة مزيج من ألوان خرجت على ملامحه شكلت لوحة ألوان مائية رسمها طفل بليد.
أعادوا المسكين إلى التوقيف مجدداً وطلب مني العقيد أن أرافقه إلى مكتبه الميمون!
أخي أحمد (الكنية حسب معتقده) اجبته: نعم يا سيدي الفاضل، اعتذر عما بدر منه من انفعال وردة فعل قاسية تجاه الجاني وسوء تقديره للموقف واعتذر عن كلمته "نتا لا باس عليك".
رغبتُ حقاً في المغادرة بأسرع وقتٍ والعودة إلى البيت وتغطية السيارة من الخلف بأي غطاء مؤقت لحين إصلاحها لدى محلات الزجاج، لأن الصبر لدي تجاوز طاقتي.
طلبت منه أن يعجل بالإجراءات ولننهي الموضوع وفق المساطر القانونية ولتأخذ القضية مجراها، فالسيارة ليست لي وأنا ملزمٌ بإصلاحها والتعويض متى ما حكم القاضي فإن قراره يسري على الجميع.
أخرج ورقة وسجل فيها كافة الأقوال والتفاصيل وطلب مني أرقام التواصل والعنوان وزودته بكل شيء على أمل أن يتصلوا بنا في أقرب وقتٍ ممكن.
على يقينٍ تام كنت بأنهم لن يتصلوا وأنه يتوجب علينا متابعة الموضوع بشكل شبه يومي لضمان استمرارية الدعوة.
سألني ألم تعرف لماذا كسر الجاني سيارتك؟
قلت له كلا وما يدريني أنا، ألستم رجال القانون؟
عد بالشريط إلى الوراء في ذاكرتك " سي أحمد " حينما دخلت " الحومة"
ألم تشاهده يتعارك مع " بائعة الزهور"؟
(هي ظاهرة يشاهدها السائح كثيراً، وهي عبارة عن مجموعات من البائعات المتجولات والباعة يحملون باقات ورد وبعضهم يبيعها بشكل منفرد).
نعم يا سيدي رأيته واقفاً مع إحداهن وعدتُ بالسيارة إلى الخلف وغيرتُ مساري تفادياً للعراك الذي وقع بينه وبين تلك الفتاة.
أوضح لي الضابط بأن الدماء التي كانت على وجه الجاني والضربات كانت حصيلة عراكه مع الفتاة !
وحينما رأيته هكذا مهاناً " في وجهة نظره" وبأنه اصبح " حديثاً" وقصة تروى على كل لسان أقدم على جريمته!
وما ذنبي أنا إن كان قد هُزِم من أنثى وصرعته وجرحته؟
تعجبُ حقاً من هذا الأمر ويدور في خلدك ألف سؤالٍ وسؤال، عبثاُ حاولت ترميم تصدعات حائط فكري الذي تشقق من أثر أمطار الحيرة والدهشة.
أحقاً بلغ الحقد في البشر بأن يهشم أحدهم زجاج سيارتك لأنك رأيته في وضعٍ لا يحسد عليه من الضرب المبرح على يدِ أنثى؟
ابتسمت في وجه العقيد وضحكت حتى شاطرني الضحك بصوتٍ مرتفع، إنه ضحك الحمقى الذين لا يدركون ما يدور حولهم، ضحك الصم البكم الذين يرقصون وسط عرسٍ لا يعرفون فيه أحد.
قدم إلي الشاي ومد لي بأعوادِ مفخخة بالنيكوتين، رفضت التدخين وشربت الشاي وظلت زوجتي مع " فاطيمة" تنتظر عودتي وخروجي من مكتب العقيد.
اسمع يا "ساري" لا يخفى على كلانا بأنك قديمٌ عهدٍ بالبلد والدلائل واضحة والتقرير يوضح بأنك عاشق للمغرب (تقرير)؟ هل وصله بيان من الجوازات بهذهِ السرعة؟ أم هو مجرد تخمين؟ أم تظهر على ملامحي الساهرة حتى الفجر علامات عشق المغرب؟
أردف قائلاً: خطواتك الثابتة، لسانك السليط، اتقانك للدارجة المغربية، طبعك عاداتك، انفعالاتك كلها تشير إلى عشقك الشديد وحبك لنا.
يا سيدي الفاضل، تحياتي لك وأحر التهاني لامتلاكك حاسة سادسة وفراسة شديدة، ألم تنبهك فراستك بأن المجرم لديه سوابق؟
دهش الضابط وأنزل نظارته الطبية، أنت " خاطير" ( خطير).
تماماً كملاكمين في وسط حلبة أنا والعقيد هكذا همس لي عقلي الباطن لسرعة قراءته أفكاري ولقراءتي أفكاره، قام لمعانقتي بحرارة وضم على كفي بشدة، استغربت لفعله وسط هذه المعمعة.
اسمع يا ساري، الرجل يتيم الأبوين وذاق من المُر مالم يذقه أحد، لقد ولد لعائلةٍ ثرية ثم تم الحجر على أموالهم وممتلكاتهم، فهم من المؤسسين القدامى لهذهِ الأرض (عين الدياب).
فلقد قاموا بإعطائه بعض الحبوب وأنت تعرف بقية القصة!
انظر إليه بعين الشفقة والرحمة وأعدك بأن يصلك مبلغ إصلاح الزجاج بأسرع وقتٍ ممكن، ولا تنس بأن العيد الكبير " عيد الأضحى" تبقى عليه بضعة أيامٍ فقط، ولن يكون لديك الكثير من الوقت لمتابعة القضية.
إني لك من الناصحين!
قد يكون الوضع فعلاً كما تقول، لكني أراك تحاول استعجال الموضوع وتهدئة الوضع كي لا تنشغل كثيراً قبل خروجكم للإجازة.
- الأمر عائدٌ إليك يا ساري.
- حسناً لنواصل الإجراءات.
- واخا
خرجتُ من مكتبه إلى زوجتي التي نسجت بعض الروابط مع تلك الضابطة " ضابطة الاتصال" وأنا تماماً كأني في جو جنائزي ترقصُ فيه صغيرات جنياتي وعجائزي!
خرجنا من القسم، على أمل عدم اللقاء بهم مجدداً وسيل من الدعوات والأماني بأن لا تطأ أقدامنا هذهِ البقعة مجدداً لا طالبين ولا مطلوبين.
" الشرطة ورطة".
الورطة القادمة هي بأننا سنضطر لإبقاء السيارة قرب باب المنزل ولن ندعها واقفة بالخارج، فضعاف النفوس في هذا الحي الشعبي عددهم يرعبك.
ما أن أوقفت السيارة حتى ساعدني " السيمو" (سي محمد) على ترميم الزجاج وترقيع ما يمكن ترقيعه من خلفية السيارة.
نسيت أن أقول بأن المجرم هشم الزجاج بجذعِ شجرة عريض جداً (لا زلت في خلجات نفسي أتساءل: كيف استطاع قطع الجذع!!
سألني عن الحادثة وكيف وقعت وتفاصيل كثيرة، قاطعته قائلاً: محمد سألتك بالله دعنا نكمل ما بدأناه وستأتيك القصة لاحقاً.
الفجر الجميل اقترب، وقلبي المسكين بالحزن اشرأب
ارتقبُ طلوع شمس يومي ولقد مات موعد نومي
اجمع براعم الشروق بين الشقوق
رحالٌ أنا لوطنٍ بداخلي
اغترب!
في الصباح الباكر اتجهنا إلى محلات إصلاح الزجاج، واستعلمنا عن الأسعار والتفاصيل والوقت المتوقع للإنجاز.
دخلنا إلى أول محل واتفق معنا على أن نعود إليه بعد ساعةٍ كحد أقصى وشرحتُ له المسألة وما وقع ليلة الأمس.
قال تمهل !
السعر الأساسي (2000) درهم، لكني سأسجل لك في الفاتورة 3500!
لماذا يا سيدي الفاضل؟
كي يتأدب المجرم
كلا كلا لا أريد أن احمل وزره ووزرك إلى يوم الدين.
عدتُ في الصباح الباكر بعد أن تم الانتهاء من إصلاح الزجاج إلى مقر الشرطة، لمعرفة أي تحديثات طرأت على القضية، أو على أقل تقدير قد يحدث تطوراً في النظام البيروقراطي المتعب.
حينما رمتنا الأمواج إلى ضفاف مركز الشرطة، قالت زوجتي: لنعد إلى المنزل!
ماذا بشأن الفاتورة؟ ألن نسلمها لهم؟
سيرزقنا الله من فضله.
فوضت أمري لله واستخرتُ وأدرنا محرك السيارة واتجهنا إلى مكانٍ نزجي به سويعات الصباح.
- ما الأمر؟
- لا شيء، الإجراءات لدينا في المغرب طويلة جداً ولن تؤتي ثمارها كما يخيل إليك، فأنت في نظرهم سائح وستعود إلى بلدك، وستضطر إلى توكيل محامٍ لمتابعة القضية.
- المبلغ لن يغير في الواقع شيء سيكلفنا المحامي مبلغاً أعلى.
- نعم يا ساري، هيا لنتجه إلى أحد المطاعم القريبة لنتناول الإفطار البِلْدِي. | توقيع : ساري أحمد | | تولعت بالمغرب وصابني (هبال)..!
مصيبة لا كتمت الشوق مصيبه..!
دارها البيضا مضرب الأمثال..!
في صخبها والصمت (كازا) عجيبه..!
| |
| |